فهرس الكتاب
والآية التي صدر بها المصنف هذا الفصل قيل إن سبب نزولها ما ورد عن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فجعلنا لا نصعد جبلًا ولا نعلو ولا نهبط واديًا إلا فرعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا فقال:"يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"الحديث، أخرجاه في الصحيحين.
المعنى: أن الله سبحانه وتعالى لما أمر عباده في الآية السابقة بصوم الشهر وإكمال العدة وحثهم على التكبير ليعدوا أنفسهم للشكر عقب بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم، فيجيب دعوة الداعين ويجازيهم بأعمالهم فيمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعد بالإجابة، وخصوصًا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة بالانقياد لأوامره والانتهاء عما وهى عنه. ففي الآية إثبات قربه من عباده وهو نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه وقرب من عابده وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.
وقال ابن القيم رحمه الله على الآية الكريمة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (قّ:16) : فهذه الآية لها شأن قد اختلف السلف فيها والخلق على قولين فقالت طائفة نحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة وعلى هذا فيكون المراد قربه سبحانه بنفسه وهو نفوذ قدرته ومشيئته فيه وإحاطة علمه به، والقول الثاني المراد قرب ملائكته منه وأضاف ذلك إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع على عادة العظماء في إضافة أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ومراسيمهم، فيقول الملك نحن قتلناهم وهزمناهم قال تعالى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة:18) وجبريل هو الذي يقرؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} (لأنفال: من الآية 17) فأضاف قتل المشركين يوم بدر إليه وملائكته هم الذين باشروه إذ هو بأمره، وهذا القول هو أصح من الأول لوجوه: