فهرس الكتاب
أحدها: أنه قيد القرب في الآية بالظرف وهو قوله {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} (قّ: من الآية 17) فالعامل في الظرف ما في قوله {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} (قّ: من الآية 16) من معنى الفعل ولو كان المراد قربه سبحانه بنفسه لم يتقيد ذلك بوقت تلقي الملكين ولا كان في ذكر التقيد به فائدة فإن علمه سبحانه وقدرته ومشيئته عامة التعلق.
الثاني: أن الآية تكون قد تضمنت علمه وكتابة ملائكته لعلم العبد، وهذا نظير قوله {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف:80) .
الثالث: أن قرب الله تعالى إنما ورد خاصًا لا عامًا وهو نوعان قربه من داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة ولم يجيء القرب كما جاءت المعية خاصة عامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد، وأنه قريب من الكافر والفاجر، وإنما جاء خاصًا كقوله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة: من الآية 186) فهذا قريب من داعيه وسائله به، وقال تعالى {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (لأعراف: من الآية 56) ولم يقل قريبة وإنما كان الخبر عنها مذكرًا، والذي عندي: أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى وصفاته قائمة بذاته فإذا كانت قريبة من المحسنين فهو قريب سبحانه منهم قطعًا، ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد منه ربه فيقرب ربه منه بإحسانه إليه لأنه تعالى يتقرب إلى من تقرب غليه فإنه من تقرب منه شبرًا يتقرب منه ذراعًا ومكن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربًا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه ويدنو من أهل الموقف عشية عرفة وهو على عرشه فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته فلا يكون قط إلا عاليًا ولا يكون فوقه شيء البتة، كما قال أعلم الخلق"وأنت الظاهر فليس فوقك شيء"وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه.
والذي يسهل عليك فهم هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه وانه ليس كمثله شيء وأنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه وبقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش اهـ؟!