فهرس الكتاب
والثالثة: نفخة البعث والنشور قال الله تعالى {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} (الزمر: من الآية 68) .
وقوله:"فيقوم الناس من قبورهم إليخ .. ) الحفاة الذين ليس على أرجلهم نعال ولا خفاف، والعراة الذين ليس عليهم لباس، غرلا أي غير مختونين، والغرلة القلفة .. ويلجمهم العرق أي يصير لهم كاللجام الذي يربط به فم الدابة، والمعنى: أنه يصل إلى أفواههم."
وروى مسلم عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، قال: فتصرهم الشمس فيكونوا في العرق قدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا"قال بعض العلماء ظاهر الحديث التعميم، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في بعث النار.
ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها وذلك أن النار تحف بأرض الموقف وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعًا مع أن كل واحد لا يجد إلا موضع قدمه؟ فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه؟! إن هذا لما يبهر العقول ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة وأنه ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة وإنما يؤخذ بالقبول ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه، نسأل الله العصمة.
وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع فيأخذ بالأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال ويبادر إلى التوبة من التبعات ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة ويتضرع إليه في سلامته من دار الهون وإدخاله دار الكرامة اهـ.