فهرس الكتاب
بالقدر، احتج سارق على عمر بالقدر. فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره. وقال ابن القيم رحمه الله: أهل الهدى آمنوا بقدر الله وشرعه ولم يعارضوا بينهما بل كل منهما يصدق الآخر فالأمر تفصيل للقدر وكاشف له وحاكم عليه والقدر أصل للأمر ومنفذ له وشاهد له ومصدق له فلولا القدر لما وجد الأمر ولا تحقق ولا قام على ساقه ولولا الأمر لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر مظهر للأمر والأمر تفصيل له والله له الخلق والأمر فلا يكون إلا خالقًا آمرًا فأمره تصريف لقدره وقدره منفذ لأمره ومن أبصر هذا تبين له سر ارتباط الأسباب بمسبباتها وأن القدح فيها إبطال للأمر وأن كمال التوحيد إثباتها.
قال الشيخ رحمه الله في التائية ردًا على المحتج وذكر إلزامات في غاية القوة والوضوح يبطل كل واحد منها اعتذار المعتذرين بالأقدار فقال:
ويَكْفِيكَ نقضًا أن ما قد سألتَه ... مِن العذر مَردود لَدَى كُلِّ فِطرة
فأنتَ تعيبُ الطَاعِينَ جميعَهم ... عليكَ وتَرْميهم بِكل مَذمَّةِ
وتَنحَلُ مِن وَالاكَ صَفوَ مَودةٍ ... وتبغضُ مَن عاداكَ مِن كلِّ فِرْقَة
وحالُهم في كلِّ قَولٍ وفِعْلَةٍ ... كَحَالِك يا هَذا بأرجَحِ حُجَّةِ
وهبْك كففْتَ اللوم عن كلِ كافر ... وكلِّ غويّ خارجٍ عن محجَّةِ
فَيلزمُكَ الإعراضُ عن كلِّ ظالمِ ... على الناسِ في نفسٍ ومالٍ وحُرمةِ
فلا تَغضَبَنْ يومًا على سَافكٍ دمًا ... ولا سَارق مالًا لِصَاحِب فاقةِ
ولا شَاتِمٍ عرضًا مَصُونًا وإن عَلا ... ولا ناكحٍ فرجًا على وجْهِ غيَّةِ
ولا قَاطع للناسِ نَهْج سَبيلهم ... ولا مُفسِدٍ في الأرض مِن كل وُجهَة
ولا شاهدٍ بالزورِ إفكًا وفِريَة ... ولا قاذفٍ لِمُحصَناتِ بزنْيَةِ
ولا مُهلكٍ للحَرثِ والنسلِ عامِدًا ... ولا حاكمٍ لِلْعَالَمينَ بِرُشْوَةِ
وكفِّ لسَان اللومِ عن كلِ مُفسدٍ ... ولا تأخُذَنْ ذا جُرْمةٍ بعُقُوبة
وسَهِّل سَبيل الكاذبين تعمدًا ... على رَبِّهم مِنْ كلِّ جاءٍ بِفرْيَةِ
وإن قصَدوا إضلالَ مَن يستجِيبهُم ... برَوْم فَسَادِ النوعِ ثمَّ الرياسة