العالم اثنان أحدهما فاعل الخير وهو النور وثانيهما فاعل الشر وهو الظلمة قال أبو الطيب في مدحه لكافور الأخشيدي وكان أسود اللون:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
وأما القدرية فيضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر لا يكونه شيء إلا بمشيئته. قال الشيخ رحمه الله: الشر لا يجيء في كلام الله وكلام رسوله إضافته وحده على الله ولكنه يأتي على أحد ثلاثة أوجه إما على وجه العموم أو بحذف فاعله كقوله تعالى: {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} (الجن:10) أو بإضافة إلى فاعله من المخلوقين اهـ.
وقابل القدرية طائفة الجبرية الذين غلوا في الإثبات للقدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ولأجل ذلك نفوا الحكمة والتعليل فالقدرية النفاة قصروا وهؤلاء غلوا وأهل السنة وسط بين الطرفين فلا إفراط ولا تفريط، وقد دل على إثبات الأمرين الكتاب والسنة كما قال تعالى {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير:28،29) فأول الآية يرد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن له مشيئة مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن تكون سببًا فيه، وقوله: وآخر الآية وهو قوله {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين .. والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد أدلة العقد الصريح أن مشيئة العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولابد، وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختصة بها فعبودية الآية الأولى الاجتهاد- استفراغ الوسع