فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 580

يعارضه دليل قطعي لا عقلي، ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك، فإنما هو بحجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية.

وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح، كان هذا العقل شاهدًا بأن كل ما خالف خبر الرسول، فهو باطل، فيكون هذا العقل والسمع جميعًا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع، وفيه: والكلام هناإنما هو لمن علم أن الرسول صادق وأن ما جاء به ثابت، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقًا بثبوت ما أخبر به.

فمن كان هذا معلومًا له امتنع أن يجعل العقل مقدمًا على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأما من أفصح بحقيقة قوله وقال إن كلام الله ورسوله في التوحيد وأمور الغيب لا يستفاد منه علم بالحقيقة، فهذا لكلامه مقام آخر.

وقال الشيخ رحمه الله: إذا تعارض دليلان سواء كانا سمعيين أو عقليين أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًا، والآخر ظنيًا، فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، وهذا متفق عليه بين العقلاء.

لأن الدليل القطعي هو لذي يجب ثبوت مدلوله، ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة، وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، لزم الجمع بين النقيضين وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية، فلابد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين، وإن كان أحد ا لدليلين المتعارضين قطعيًا دون الآخر، فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يدفع اليقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت