انكار المنكر يسلتزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ أنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالانكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذي يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا أفلا نقالتهم؟ فقال"لا ما أقاموا فيكم الصلاة"وقال"من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة"ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار تراها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بمكة أكبر ا لمنكرات ولا يستطيع تغييرها بل طالمًا فتح الله مكاة وصارت بلد إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه ...
وقال ابن القيم: إنكار المنكر أربع درجات الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يزل من جملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضوع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارها عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسبق الخيل ونحو ذلك وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى وهذا باب واسع.
ومن أصول أهل السنة أنهم يرون إقامة الجهاد والحج والجمع والجماعات والأعياد مع الأمراء أبرارًا أو فجارًا، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: من الآية 59) ، وفي الصحيح:"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرًا"، وفي الحديث الآخر:"والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي"