فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 161

حقيقة ومجازًا، إيجازًا وإطنابًا حديثًا ومقالًا، وكلما ارتفعت اللغة وتسامت، وقفت على أعتاب لغة القرآن في إعجازه اللغوي كسيرة صاغرة، تنحني أمام أسلوبه إجلالًا وخشية.

ولم يعهد تاريخ العربية حقبة من حقبة ازدهرت فيها اللغة ونمت، إلا تطامن أعلامها وأساتذتها أمام البيان القرآني، اعترافًا بسموه، وإدراكًا لأسراره، وحيثما قلب الإنسان نظره في القرآن، وجد أسرارًا من الإعجاز اللغوي: يجد ذلك في نطاقه الصوتي البديع بجرس حروفه، حين يسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، وفواصلها ومقاطعها، فلا تمل أذنه السماع، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى، وسأذكر مثالًا واحدًا منها كشاهد على بلاغة المفردة القرآنية: لنقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}

(التوبة: 38) . ثم لندرس الأداء الفني الذي قامت به لفظه (اثَّاقَلْتُمْ) بكل ما تكونت به من حروف، ومن صورة ترتيب هذه الحروف، ومن حركة التشديد على الحرف اللثوي (الثاء) ، والمدَّ بعده، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة، ثم التاء المهموسة، والميم التي تنطبق عليها الشفتان ويخرج صوتها من الأنف، ألا تجد نظام الحروف، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إلينا بالمعنى، قبل أن يأتي علينا المعنى من جهة

المعاجم؟ ألا نلحظ في خيالنا ذلك الجسم المثَّاقل، يرفعه الرافعون في جهد، فيسقط في أيديهم في ثقل، ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثَّاقل؟ ولنجرب أن نبذل المفردة القرآنية، ونحل محلها لفظه (تثاقلتم) أ نحس أن شيئًا من الخفة والسرعة، بل والنشاط أوحت به (تثاقلتم) بسبب رصف حروفها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت