ذلك: عمرت المساجد ورتب لها الأئمة والمؤذنون، وشرع النداء لها بأعلى صوت: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) .
قال الله تعالى في حال الخوف: [وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ] سورة النساء آية 102.
فدلت هذه الآية الكريمة على تأكد وجوب صلاة الجماعة، حيث لم يرخص للمسلمين في تركها حال الخوف، فلو كانت غير واجبة؛ لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، فإن الجماعة في صلاة الخوف يترك لها بعض واجبات الصلاة، فلولا تأكد وجوبها، لم يترك من أجلها تلك الواجبات، فقد اغتفرت في صلاة الخوف أفعال كثيرة من أجلها.
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (أنه قال:(أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار) ، ووجه الاستدلال من الحديث على وجوب صلاة الجماعة أنه وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقًا، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. ثم إنَّه (همَّ بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب.
وفي صحيح مسلم أن رجلًا أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، فقال: (هل تسمع النداء؟) ، قال: نعم. قال: (فأجب) . فأمره النبي (بالحضور إلى المسجد لصلاة الجماعة وإجابة النداء مع ما يلاقيه من المشقة، فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة.
وقد كان وجوب صلاة الجماعة مستقرًا عند المؤمنين من صدر هذه الأمة:
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) ، فدل ذلك على استقرار وجوبها عند صحابة رسول الله (، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي (، ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق يكون واجبًا على الأعيان.