فدخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء وثارات، فلما وقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر، أراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فأغاروا عليهم ليلًا سنة 8 هجرية، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والرجال، وكان هذا نقضًا من قريش لصلح الحديبية.
فلما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ عزم على نصرتهم، وأمر المسلمين بغزو مكة، وتوجه إلى مكة في شهر رمضان سنة 8 هـ ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وباغت أهل مكة، وأمر مناديًا ينادي: من أغلق عليه بابه فهو آمِن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمِن، فأسرع كفار قريش إلى بيوتهم وإلى المسجد الحرام، وحصلت مناوشة خفيفة مع بعض كفار قريش قُتِل فيها 12 رجلًا من المشركين، وفر الباقون.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منتصرًا، وهو مطأطئ رأسه تواضعًا لله، فطاف بالكعبة، وكان حولها 360 صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] ، والأصنام تتساقط على وجوهها.
ثم أمر بفتح الكعبة، وأمر بتكسير ما فيها من الأصنام، وصلى فيها ركعتين.
وكان كفار قريش قد ملئوا المسجد الحرام صفوفًا، فخطب النبي عليه الصلاة والسلام فيهم خطبة بليغة بيّن فيها كثيرًا من أحكام الإسلام، وأسقط أمور الجاهلية، وعفا عن كفار قريش، وبايع الناس على الإسلام، فأسلم أكثر أهل مكة من الرجال والنساء.
وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة 19 يومًا يجدد فيها معالم الإسلام، ويطهرها من آثار الجاهلية.
6)غزوة حنين: بعد فتح مكة اجتمعت قبائل هوازن وثقيف على قتال المسلمين، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجمعهم، فخرج من مكة في شوال سنة 8 هـ ومعه اثنا عشر ألفًا.
وكمن العدو للمسلمين في وادي حنين، ثم أمطروا المسلمين بالنبال كأنها جراد منتشر؛ فانهزم المسلمون، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قليل من المهاجرين والأنصار، ونزل عن بغلته ودعا ربه واستنصره، وأمر من ينادي أصحابه، فرجعوا واجتمع حول رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عظيم، فكرّوا على المشركين حتى تفرقوا وهربوا، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغنموا شيئًا كثيرًا جدًا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم في منطقة (الجِعرانة) .
وكان أكثر العدو قد فر إلى الطائف، فحاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف (40) يومًا دون جدوى، فقد كان مع العدو قوت سنة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالرحيل.