فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 169

الشاهد: أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لم يأمر بسبهم أو ضربهم، وقد ذكر الحديث الأخير الألبانيُ رحمه الله في"السلسة الصحيحة"وقال: (( فهذا التعليل يعطي أنهم إذا قالوا: السلام عليك، يرد عليهم بالمثل وعليك السلام، ويؤيده عموم قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .

فإنها بعمومها تشمل غير المسلمين أيضًًا، ويؤيد الآية على عمومها أمران:

الأول: ما أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (1107) عن عبدالله ابن عباس قال: «ردوا السلام على من كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، ذلك بأن الله يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] » .

ويقوي هذه الرواية ما روى سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس قال: «لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك» وأخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (1113) ، وسنده صحيح.

والآخر: قول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .

فهذه الآية صريحة بالأمر بالإحسان إلى الكفار المواطنين الذين يسالمون المؤمنين ولا يؤذونهم، والعدل معهم، ومما لا ريب فيه أن أحدهم إذا سلم قائلًا بصراحة: السلام عليكم. فرددنا عليه باقتضاب: وعليك؛ أنه ليس من العدل في شيء بله البر، لأننا في هذ الحالة نسوي بينه وبين من قد يقول منهم: السام عليكم، وهذا ظلم ظاهر، والله أعلم )) [1] اهـ مختصرًا.

هذا؛ وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز بدء الكفار بالتحية بغير لفظ السلام، كأن يُقال لأحدهم: كيف حالك، وكيف أصبحت، وكيف أنت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بداءتهم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية [2] .

إذًا: يشرع للمسلم أن يرد سلام الكافر غير الحربي إذا سلّم سلامًا صحيحًا، ويجوز أن يبدأه المسلم بالتحية بغير لفظ السلام، ويحرم عليه أن يبدأه بالسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» [3] .

وإنما نهى عن ابتدائهم بالسلام لأن في ذلك إعزازًا لهم، وهم أعداء الله، فيجب أن يكونوا أذلين لكفرهم، ولكن نبي الرحمة لم يأمر بسبهم أو إيذائهم ما داموا مسالمين للمسلمين، أما قوله: «فاضطروه إلى أضيقه» فقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (( قال القرطبي: معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا.

(1) انظر"السلسلة الصحيحة" (2/ 321 - 322) .

(2) انظر"الشرح الممتع"لابن عثيمين (3/ 452) .

(3) أخرجه مسلم (2167) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت