وقد فرضت الشريعة عقوبة الجلد ثمانين جلدة على من قذف رجلًا عفيفًا أو امرأة عفيفة بالزنا ثم لم يأت بأربعة شهداء، قال الله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .
حتى لو شهد ثلاثة على رجل أو امرأة بالزنا، وذكروا أنهم رأوا منهما الزنا بلا خفاء، فإن هؤلاء الشهود الثلاثة يجلدون، ويَسلم الرجل والمرأة من حد الزنا؛ لكون الشهود لم يكونوا أربعة!
بل لو أقر رجل بأنه زنى بامرأة وسمّاها، فإنه يُقام الحد عليه وحده، ولا يقام على تلك المرأة إلا إذا أقرت!
عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلًا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد [أي: حد الزنا] وتركها [1] .
ومن القواعد الشرعية المعروفة: «ادرءوا الحدود بالشبهات» فأي شبهة تكون في صالح المتهم، ويسقط الحد عن الرجل أو المرأة بأدنى شبهة.
ولقد رغبت الشريعة الإسلامية في الستر على عورات المسلمين، وإمساك الألسنة عن ذكر الفاحشة إن وقعت، قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .
عن نعيم بن هزال رضي الله عنهما عن أبيه: أن ماعزًا [اسم الرجل الذي زنى] أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: «لو سترته بثوبك كان خيرًا لك» [2] .
وذلك لأن هزالًا هو الذي أشار على ماعز أن يقر بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا؛ وإن تاب الزاني ومثله السارق وغيره قبل القدرة عليه، فإن التوبة تُسْقِط عنه الحد [3] .
فهل بعد هذا كله يقال: إن جلد الزاني غير المحصن، ورجم الزاني المحصن ينافي رحمة النبي عليه الصلاة والسلام؟!
ماذا يبقى للإنسان من آدميته وكرامته إذا تركت هذه الفاحشة يعلن بها أمراض القلوب من غير استحياء، ثم لا يمنعهم أحد من هذه الفاحشة؟!
إن من يتجرأ على هذه الفعلة الشنيعة، ثم افتضح حالله حين يراه هذا العدد في ذلك الوضع؛ لهو إنسان مفسد ضال مضل، ولو لم يتم بتره أو تربيته فإنه يشكل خطرًا عظيمًا على المجتمع كله.
(1) أخرجه أبوداود (4466) ، وهو في"الجامع الصحيح" (3/ 116) .
(2) أخرجه أبوداود (4377) ، وهو في"السلسلة الصحيحة" (3460) .
(3) انظر"المجموع" (22/ 209) .