فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 169

وفيما يلي بيان حكمة الشريعة في جعل عقوبة الزاني غير المحصن جلد مائة وتغريب عام، وجعل عقوبة الزاني المحصن الرجم بالحجارة:

وضعت الشريعة الإسلامية عقوبة الجلد على أساس محاربة الدوافع التي تدعو للجريمة بالدوافع التي تصرف عن الجريمة، فالذي يدعو الزاني للزنا هو اشتهاء اللذة والاستمتاع بالنشوة التي تصحبها، والدافع الذي يصرف الإنسان عن هذه اللذة المحرمة هو الألم، فالشريعة حينما جعلت عقوبة الجلد للزاني غير المحصن لم تضعها اعتباطًا، وإنما وضعتها على أساس من طبيعة الإنسان، وفهم لنفسيته وعقليته.

والشريعة حينما قررت عقوبة الجلد للزنا دفعت العوامل النفسية التي تدعو للزنا بعوامل نفسية مضادة تصرف عن الزنا، فإذا ارتكب الزاني غير المحصن الزنا وجلد، ففيما يصيبه من ألم الجلد ما ينسيه اللذة، ويحمله على عدم التفكير فيها مرة أخرى.

بالإضافة إلى أن الزاني غير المحصن يُغرَّب من بلده الذي زنى فيه إلى بلد آخر لمدة سنة، وذلك للتمهيد لنسيان الجريمة بأسرع ما يمكن، ولأن إبعاد المجرم من مكان الجريمة يجنبه مضايقات كثيرة، والإبعاد يهيء له أن يحيا حياة كريمة من جديد، وأن يتوب إلى الله تعالى في غربته، ثم يأتي إلى الناس بوجه جديد.

فالتغريب شرع لمصلحة الجاني أولًا ثم لمصلحة المجتمع ثانيًا.

ووضعت الشريعة عقوبة الرجم للزاني المحصن على نفس الأساس الذي وضعت عليه عقوبة الجلد للزاني غير المحصن، ولكن شددت عقوبة المحصن للإحصان؛ لأن الإحصان يصرف الشخص عادة عن التفكير في الزنا، فإن فكر فيه بعد ذلك فإنما يدل ذلك على قوة اشتهائه للَّذة المحرمة، وشدة اندفاعه لهذه الجريمة البشعة، فناسب أن توضع له عقوبة غليظة جدًا بحيث إذا فكر في هذه اللذة المحرمة، وذكر معها العقوبة التي يستحقها شرعًا؛ تغلب التفكير في الألم الذي يصيبه من العقوبة على التفكير في اللذة التي يصيبها من الجريمة.

وبعض الناس يستكثر عقوبة الرجم على الزاني المحصن، ولو أن أحد هؤلاء وجد امرأته أو ابنته تزني واستطاع أن يقتلها ومن يزني بها لما تأخر عن ذلك.

الزاني المحصن هو مثل سيء لغيره من الرجال والنساء المحصنين، وليس للمثل السيء في الشريعة حق البقاء، فإن بقاءه في المجتمع ضرر محض، وقتله رحمة بالمجتمع كما يقطع العضو المصاب بالسرطان رحمة بالبدن.

الشريعة الإسلامية تقوم على الفضيلة المطلقة، وتحرص على الأخلاق والأعراض والأنساب من التلوث والاختلاط، وهي توجب عل الإنسان أن يجاهد شهوته ولا يستجيب لها إلا من طريق الحلال، وأوجبت عليه إذا استطاع الزواج أن يتزوج حتى لا يُعرِّض نفسه للفتنة أو يُحَمِّلها ما لا تطيق، فإذا لم يتزوج وغلبته الشهوات على عقله ودينه وعزيمته فعقابه أن يجلد مائة جلدة، وشفيعه في عدم رجمه تأخيره في الزواج الذي أدى به إلى الجريمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت