فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 169

أما إذا تزوج فأحصن فقد حرصت الشريعة ألا تجعل له بعد الإحصان سبيلًا إلى الجريمة، فلم تجعل الزواج أبديًا حتى لا يقع في الجريمة أحد الزوجين إذا فسد ما بينهما، فأباحت للزوج الطلاق، وأباحت للزوجة الخلع، وهو طلب الطلاق مقابل مال تعطيه زوجها، وأباحت كذلك للزوجة أن تطلب الفسح لغيبة الزوج الطويلة أو مرضه أو إعساره أو لأي ضرر يلحقها في بقائها معه، وهكذا أباحت للزوج أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة على أن يعدل بينهن.

وبهذا فتحت الشريعة للمحصن كل أبواب الحلال، وأغلقت دونه باب الحرام، فإذا زنى مع هذا فلا وجه لتخفيف العقوبة عنه، وموته خير له حتى لا يزداد إثمًا إلى إثمه، وخير للمجتمع ليسلم من شره.

وإذا رُجم الزاني المحصن فإن هذا الرجم كفارة لما صنع من الإثم، فعن الشريد بن سويد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أمر برجم المرأة التي زنت، فلما فرغنا جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد رجمنا هذه الخبيثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرجم كفارة ما صنعت» [1] .

وبعد هذا نقول: إن المتتبع لا يجد هذه العقوبة قد نفذت حال تنفيذ العقوبات إلا في أعداد محدودة جدًا، فإن الشريعة ضيقت جدًا في إثبات الزنا، فلم تجعله يثبت إلا بالإقرار أو بشهادة أربعة عدول يشهدون أنهم رأوا الرجل والمرأة يزنيان، حتى لو رأوهما مضطجعين على فراش واحد فإن هذا لا يثبت جريمة الزنا، فيعزران على فعلهما هذا، ولا يطبق عليهما حد الزنا إلا إذا اعترفا أو شهد الأربعة الشهود بالزنا الواضح الذي لا لبس فيه، وهذا من أصعب الأشياء، ولهذا لم يثبت حد الزنا على أحد بشهادة أربعة شهود منذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إلى زماننا هذا إلا نادرًا جدًا، ولا ضرر في هذا مادام أن هذا الحد قد وفّر الأمن والاستقرار للمجتمع، وإن لم تتوافر شروط إقامة الحد على أحد من الزناة.

قال المطيعي: (( الجريمة إذا ارتُكِبت في غير إعلان يجب الاستمرار في سترها، ومنع كشفها، وهذا تضييق للعقاب، وجعله رمزًا مانعًا، بدل أن يكون عامًا جامعًا ) ) [2] اهـ.

وبهذا يتبين أن حد الزاني لا ينافي رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، فالله هو الذي شرع هذا الحد رحمة بعباده {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] [3] .

(1) أخرجه النسائي (7272) ، وهو في"صحيح الجامع" (3546) .

(2) انظر"المجموع" (22/ 193) .

(3) انظر كتاب"التشريع الجنائي الإسلامي"ج 1 ص 636 وما بعدها، وج 2 ص 346 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت