ج حدّ الخمر:
حرمت الشريعة الإسلامية الخمر تحريمًا مطلقًا، وجعلت عقوبة من شرب الخمر الجلد 40 جلدة أو 80 جلدة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91] .
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سُنَّة [1] .
وقد جاءت أحاديث كثيرة عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم تنفر من الخمر، وتحذر منها، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته» [2] .
أي: أنه إذا سكر قد يزني بإحدى محارمه وهو لا يشعر، كما أنه قد يقتل أحد أقاربه أو غيرهم وهو لا يشعر؛ ولذا كانت الخمر أم الفواحش.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مدمن الخمر كعابد وثن» [3] .
وهذا فيه تنفير شديد من شرب الخمر، حيث شبّه مدمن الخمر بالمشرك الذي يعبد الأصنام.
إن الدافع الذي يدفع شارب الخمر لشربها هو رغبته في أن ينسى آلامه النفسية، ويهرب من الواقع والحقائق إلى الأوهام التي تولِّدها نشوة الخمر، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس شارب الخمر بعقوبة الجلد، فهو يريد أن يهرب من آلام النفس ولكن عقوبة الجلد ترده إلى ما هرب منه، وتضاعف له الألم، إذ تجمع له بين ألم النفس وألم البدن، هو يريد أن يهرب من عذاب الحقائق إلى سعادة الأوهام، وعقوبة الجلد ترده إلى العذاب الذي هرب منه، وتجمع له بين عذاب الحقائق وعذاب العقوبة.
فالشريعة وضعت عقوبة الجلد لشارب الخمر على أساس متين من علم النفس، وحاربت الدوافع النفسية التي تدعو إلى الجريمة بالدوافع النفسية المضادة التي تصرف عن الجريمة.
ومن المسَلَّم به من الناحية الطبية والاجتماعية أن الخمر لا فائدة فيها، وأن أضرارها لا تحصى، فهي تفسد العقل، وتفسد الصحة، وتؤدي إلى العُقم أحيانًا، وإلى ضعف النسل غالبًا، كما تؤدي إلى ضياع المال، وضياع الكرامة، كما توقع بين شاربيها ومن خالطهم العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله إن كان شاربها ممن يذكر الله.
(1) أخرجه مسلم (1707) ، وانظر"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (28/ 336) .
(2) أخرجه الطبراني في"الكبير" (11372) ، وهو في"صحيح الجامع" (3345) .
(3) أخرجه ابن ماجه (3375) ، وهو في"صحيح الجامع" (5861) .