د حدّ الردة:
الردة هي: ترك الدين الإسلامي والخروج عليه بعد اعتناقه، فلا تكون الردة إلا من مسلم، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] [البقرة:217] .
والشريعة تعاقب على الردة بالقتل، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» [1] ؛ وذلك لأن الردة تقع ضد الدين الإسلامي الذي عليه يقوم النظام الاجتماعي للجماعة المسلمة، فالتساهل في هذه الجريمة يؤدي إلى زعزعة هذا النظام، ومن ثم عوقب عليها بأشد العقوبات استئصالًا للمجرم من المجتمع، وحماية للنظام الاجتماعي من ناحية، ومنعًا للجريمة وزجرًا عنها من ناحية أخرى.
وأكثر الدول اليوم تحمي نظامها الاجتماعي بأشد العقوبات على من يخرج على نظامها أو يحاول هدمه أو إضعافه، وأول العقوبات التي تفرضها القوانين الوضعية لحماية النظام الاجتماعي هي عقوبة القتل، فهي تعاقب على الإخلال بالنظام الاجتماعي بنفس العقوبة التي وضعتها الشريعة لحماية النظام الاجتماعي الإسلامي [2] .
وكل نظام في العالم تنص قوانينه على أن الخارج عن النظام العام له عقوبة القتل لا غير فيما يسمونه الخيانة العظمى، وهكذا فإن الإسلام لا يبيح للمسلمين الخروج من الإسلام؛ لأن هذا يعتبر خذلانًا لدين الله، والذي يرتد عن الإسلام ويجهر بردته يكون عدوًا للإسلام والمسلمين، فهو يعلن بردته حربًا على الإسلام، أما من لم يجهر بردته فإنه منافق، فيعامل معاملة المسلمين، وحسابه على الله.
والإسلام لا يُكِره أحدًا على أن يعتنق الإسلام، قال الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، فمن أبى الدخول في الإسلام، وأراد البقاء تحت حماية المسلمين أو في دولتهم؛ فله ذلك، على أن يدفع الجزية وهو صاغر جزاء استكباره عن الدخول في دين الله، أما الردة عن الإسلام لمن كان من المسلمين فهي تشكل خطرًا على المجتمع الإسلامي، فالمرتد يرفع راية الضلال، ويدعو إليها.
والردة ليست مجرد موقف عقلي، بل هي أيضًا تغير للولاء، وتبديل للهوية، وتحويل للانتماء، وهي أيضًا كفر بالله، وكفر برسول الله، وكفر بكتاب الله بعد أن أنعم الله على هذا المرتد بالإيمان بالله ورسوله وكتابه، فالمرتد باع دينه بعرض من الدنيا قليل، وخلع نفسه من أمة الإسلام التي كان عضوًا في جسدها، وانتقل بعقله وإرادته إلى خصومها، فاشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، وقدّم الباطل على الحق، والكفر على الإيمان.
إن التهاون في عقوبة المرتد المعلن لردته يعرض المجتمع كله للخطر، ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا الله، فلا يلبث المرتد أن يغرر بغيره من أقاربه ومن حوله من الضعفاء والبسطاء من الناس، وتتكون جماعة تستبيح
(1) أخرجه البخاري (6922) .
(2) انظر كتاب"التشريع الجنائي الإسلامي"ج 1 ص 661.