فهذه الأسباب مجتمعة مع غيرها دعت كثير من أولئك الناس إلى أن يفكروا في إباحة تعدد الزوجات باعتباره العلاج الطبيعي الوحيد لهذه الظواهر والأمراض الاجتماعية الخطيرة [1] .
وبهذا البيان يتبين أن إباحة تعدد الزوجات لا ينافي رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو من رحمة شريعته عليه الصلاة والسلام؛ لما فيه من المصالح الكثيرة، والفوائد العظيمة، ولما فيه من درء المفاسد العديدة، والخسائر الكبيرة {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
هذا؛ وإن الله سبحانه وتعالى قد أباح لرسوله عليه الصلاة والسلام أن يتزوج ما شاء من النساء، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 50] .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (( يقول تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن، وقوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} [الأحزاب: 50]
أي: وأباح لك التسري مما أخذت من الغنائم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة النضرية ومارية القبطية وكانتا من السراري رضي الله عنهما.
وقوله: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ} هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى فأباحت بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة ابن الأخ والأخت، وهذا شنيع فظيع.
وقوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت، قال ابن عباس: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، أي: أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحًا له، ومخصوصًا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته كما قال الله: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} أي: إن اختار ذلك.
(1) انظر كتاب"التشريع الجنائي الإسلامي"ج 1 ص 52 وما بعدها.