قال السعدي رحمه الله: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} للرسل، ومنزلين للكتب، {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب - التي أفضلها القرآن - رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك، ومنّ عليهم، فله تعالى الحمد والمنة والإحسان )) [1] اهـ.
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة» [2] .
قال المناوي رحمه الله: (( أي: ما أنا إلا ذو رحمة للعالمين أهداها الله إليهم، فمن قبل هديته أفلح ونجا، ومن أبى خاب وخسر ) ) [3] اهـ.
6)قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] .
قال ابن كثير رحمه الله: (( هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، فقد بشروا أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم، ومن صفة النبي عليه الصلاة والسلام في الكتب المتقدمة أنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه، ويحل لهم ما كانوا حرّموه على أنفسهم مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم من الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المآكل التي حرمها الله، فكل ما أحل الله من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين. وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين. وقوله {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي: أنه جاء بالتيسير والسماحة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «بعثت بالحنفية السمحة» [4] ، وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت تيسيره [5] ، وقد كانت الأمم السابقة في شرائعهم ضيق عليهم فوسع الله على هذه الأمة أمور دينها، وسهلها لهم ) ) [6] اهـ مختصرًا.
(1) تفسير السعدي ص 772.
(2) أخرجه الحاكم (100) من حديث أبي هريرة، وهو في"صحيح الجامع" (2345) .
(3) "فيض القدير" (2/ 725) .
(4) أخرجه أحمد (22345) ، وهو في السلسلة الصحيحة (2924) .
(5) أخرجه البخاري (1211) .
(6) تفسير ابن كثير (2/ 244) .