فقد خصَّ الخليل (ل، ر، ن) بلقب الذَّلَقِيّة [1] ، وتابعه في استخدام الذَّلَقِيّة ابن جني، بقوله: (ومنها حروف الذلاقة، وهي ستة اللام والراء والنون، والفاء، والباء، والميم لأنَّه يعتمد عليها بِذَلْق اللسان، وهو صدره وطرفه) [2] .
وواضح أنَّ ابن جني (رحمه الله) أطلق وصف الذَّلَاقة على الأصوات الستة اللام والنون والراء والفاء والميم والباء.
والحقُّ أن الفاء والباء والميم، أصوات شفوية لا شأن لطرف اللسان على الإطلاق في إخراجها، وبيّن الدكتور حسام النعيمي أنَّ ابن جني لم يغفل عن هذا، ولكنَّه أراد التغليب (فكأنَّهم حين وجدوا اللام والراء والنون من طرف اللسان جعلوا الاسم لها وضمّوا إليها الفاء والميم والباء) [3] .
إذن لماذا لم يعكس ابن جني المسألة فيطلق عليها (الشفوية) بالتغليب، لاسيما أنَّ نصف هذه الأصوات أصوات شفوية؟، قال الدكتور حسام النعيمي: (بأنَّ الذي دعا غلبة ذَلْق اللسان على الشفة في التسمية معنى الذَّلاقة في الأصل) [4] ، فقد جاء في لسان العرب: (إنَّما سُمّيت هذه الحروف ذُلْقًا لأنَّ الذَّلاقة في المنطق إنَّما هي بطرف أسلة اللسان والشفتين وهما مدرجتا هذه الحروف الستة) [5] .
واستبعد بعض العلماء المحدثين هذا السبب، ورأى أنَّ سبب التسمية يرجع إلى سهولة نطق أصوات (ل، ر، ن) وخفّتها؛ لأنَّ الذلاقة من معانيها سهولة النطق [6] .
ويبدو أنَّ السببين معًا لهما قبول حَسَنٌ في بيان وجه التسمية، وعدم اقتصارها على أصوات (ل، ر، ن) ، وإن كان قبول السبب الأول أكثر؛ لان نهاية التصويت باللام والراء والنون لابد له من المرور بالشفتين.
وكأن العلماء الذين جاءوا بعد الخليل وابن جني قد اقتصروا على الأصوات الثلاثة، ومنهم مكي القيسي، والزَّمخشري، وابن يعيش، وابن الجزري [7] ، وتابعهم على ذلك قسمٌ من المحدثين [8] .
وأمَّا تلقيبها بـ (اللِّثوية الغارية) ؛ فيبدو أنَّ الدكتور غانم قدوري قد جمع بين الطرف الثاني الذي يشترك مع طرف اللسان وهو اللِّثة في إخراج هذه الأصوات، هذا ما يخص اللِّثوية، أمّا الغارية، فيبدو أنه أخذه من الخليل أيضًا بأن ذلق اللسان من طرف غار الفم -كما نقلنا النص المتقدِّم عن الخليل - وأكَّد ابن دريد هذا الأمر في جمهرته [9] .
(1) المصطلح الصوتي في الدراسات العربية ص 203.
(2) سر صناعة الإعراب 1/ 78.
(3) الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 323.
(4) المصدر نفسه.
(5) لسان العرب لابن منظور 17/ 1512، مادة (ذلق) ، وانظر: الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 323.
(6) المدارس الصوتية عند العرب النشأة والتطور ص 39.
(7) النشر في القراءات العشر 1/ 201، والرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ص 115، وشرح المفصل للزمخشري لابن يعيش 10/ 125.
(8) الأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس ص 105، ودراسات في فقه اللغة ص 279.
(9) جمهرة اللغة لابن دريد 1/ 45.