فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 98

2.لا يشكل على هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا) لأن هذا الحديث على معنيين: أولاهما: تمني القتال، وهذا يستلزم وجوبًا قدريًا وهو تمني سببه وذلك لما يتمنى بعض المجاهدين الغنيمة، أو لرغبة بعضهم بالقتال، وقد نبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى في حديث فتح خيبر فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: (لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى. فقال: أين علي؟ فقيل: يشتكي عينيه، فأخر فدعا له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء. فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يُهدى بك رجل واحدٌ خير لك من حمر النعم) ، فهذا من هذا، وهو يبين سبب النهي عن القتال، لأن تمني القتال يعني تمني عدم إسلامهم وإسلامهم خير وأعظم من غنائمَ يجنونها. وثانيهما: أن هذا الحديث (النهي عن تمني لقاء العدو) إنما قيل في غزوة الأحزاب كما في بعض رواياته، وما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها من أعمال كلها تدل على كراهية (و هو إمام المسلمين) لقاء قريش ومن معها من غطفان وثقيف والأعراب، فكوْنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليهم بل تحصن في المدينة وحفر حولها الخندق، ولم ينزل إليهم أبدًا خلال مدة الحصار بل كان عمله منْعَهم من المدينة، كل ذلك يدل على أن باب النهي إنما هو إرشاد إمام في اختيار خير الفعلين في رد عدوان الأحزاب، وهو من باب الشورى كما وقع في أحُد، أيخرج إليهم أم يتحصن في المدينة؟ فاختار قول من قال الخروج، وفي الأحزاب اختار عدم الخروج وقال: (لا تتمنوا لقاء العدو) وذلك لأن هذا هو خير الأمرين للمسلمين في هذه الغزوة. والأمر والله أعلم لا يخرج عن هذين القولين، وقيلت أقوال أخرى أراها ضعيفة. والقول الأول عندي أقوى وأمتن، والسبب أن الصحابة وهم أعلم بمعنى الحديث كانوا يحتجون بالحديث بعموم لفظه، ناهين عن تمني القتال مع مسيرتهم إليه، وذلك إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم أن الصحابي عبد الله بن أبي أوفى كتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) وفيه بلفظ آخر: (دعا على الأحزاب) . والله أعلم.

3.الحديث غيظ لأعداء الله من أهل العصر المبغضين لشرائع الإسلام، فإن أعظم نكيرهم اليوم على المجاهدين والداعين لأحكام الشريعة هو قولهم إن هؤلاء يحكمون على الناس بما هو حق لله تعالى، وأطلق بعضهم وصفنا بأننا -سكرتاريا القيامة- أي يقومون في الأرض بما هو حق لله يوم القيامة، وهذا من تمام غيظهم، والحديث حجة لهؤلاء المجاهدين والدعاة وذلك أنهم يفعلون في المشركين الرافضين لأمر الله تعالى ما هو مقدمة لما سيفعل الله بهم يوم القيامة، فهم سيعذبونهم بقتلهم وأخذ أموالهم لأمر الله لهم بذلك، والذي فوضهم لهذا الفعل هو الله كما قال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ، وكما ورد في صحيح مسلم (وقاتل بمن اتبعك من عصاك) ، وأما قول المشركين المعرضين بأن قضية الإيمان والتوحيد والانقياد للشرائع هي بين الإنسان وربه ولا يحق للعباد محاسبتهم عليها فهذا دينهم الذي به يدينون، وأما ما يدين به المسلم المنقاد لحكم الله أن قضية التوحيد والإيمان والانقياد للشرائع هي حق لله أمر الله عباده بإقامتها في أنفسهم وإقامتها في الناس بالدعوة والموعظة الحسنة فإن أصروا على الإباء والإستكبار قوتلوا عليها ثم عذبوا حتى ينقادوا، ولا يضرهم قول هؤلاء الملاعين أن هذا مخالف لحقوق الإنسان وقواعد العصر فإن دين الله لا يقدم عليه مثل هذه الزبالات والعجب من بعض المفتونين من دعاة الإسلام -زعموا- يقيمون هذه الأحكام والأقوال في الفصل بين الخصومات الحاصلة بين الملحدين من العلمانيين وبين المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت