واللفظ (أقاتل) يدل على الابتداء في الفعل، وهو يؤيد ما تقدم من الكلام ويشهد لذلك ما قال (حتى يقولوا) فإن (حتى) تدل على انتهاء الغاية كما هو معلوم من حروف المعاني، وقوله: (حتى يقولوا لا إله إلا الله) يدل على علة هذا القتال الواجب، وهو الإسلام، والإسلام يعرف بالكلمة أي بـ (لا إله إلا الله) كما يعرف بالدلالة والتبعية، فالدلالة كالصلاة وأكل ذبيحة المسلم كما ورد في الحديث، والتبعية للوالدين وللدار، وهذه قد تتعارض (أي الكلمة والدلالة والتبعية) وحينئذ يعمل بالأقوى والقرائن، وتبقى الكلمة هي الأقوى إلا أن يأتي ناقض لها يدفعها، كمن قال لا إله إلا الله وسجد لصنم أو أحل أمرًا مجمع عليه ليس لمثله جهلُه، أو سبّ الله أو الرسول، فحينئذ لا تنفع الكلمة، والإسلام ليس هو الكلمة، لكن الكلمة شرط الإسلام، فإن المرء يسلم بالكلمة وشروطها الظاهرة والباطنة، كالانقياد لله ولرسوله، لقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) وإقامة الصلاة من شروط الكلمة كما هو الصحيح، ومن شروطها ترك النواقض وأبوابها كثيرة جدًا أعلاها الشرك بالله تعالى كإثبات المثل والإبن والندّ، والحديث يدل على أعلى الدلالات في إثبات الإسلام وهو الإتيان بالكلمة وقد يتعذر التحقق من إثباتها في الطوائف فيصار إلى حقوقها التى تدل عليها كالأذان وهو دليل الصلاة كما ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر قبل غزوة القرى أذان الفجر فإن سمعه تركهم وإلا غزاهم، وهذا الحديث (أي حديث أبي هريرة رضي الله عنه) جاء مجملًا في بيان علة هذا القتال وقد فُصِّل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وقد آثرت حديث أبي هريرة رضي الله عنه لهذا الباب لما فيه من بيان مقصد الجهاد والقتال وطريقة الدعوة للتوحيد، إذ أن ميل النبي صلى الله عليه وسلم ونوّابه وخلفاؤُه كانوا يعرضون الإسلام والدخول فيه عن طريق الكلمة ثم يبينوا لهم حق هذه الكلمة ومن حقها الصلاة والزكاة، والصحيح أن المباني الأربعة هي من أركانها، لا يصح إسلام المرء بدونها، ومن تركها فقد نقض الكلمة، وهذا مذهب كبار الصحابة رضي الله عنهم، وكلمة التوحيد معناها إخلاص عبودية المرء لله وحده ونفيها عمن سواه، إذ لا يستحق العبادة أحد سواه، والتأله هو التعبد، ومبنى التعبد على القبول والانقياد أصلًا ونفي الحرج وجوبًا والتسليم إحسانًا وهو معنى موجود في قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلوا تسليمًا) فهذه مراتب العبادة كما قال أهل العلم، ومبعث العبادة هو الحب والخوف، والحب ينشأ من أمرين كمال المحبوب في ذاته وإحسانه إلى غيره وهذا يوجب الحمد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك) وقوله: (أحبوا الله لما يغذركم من نعمه) .