والحب لكمال المحبوب أعظم من الحب للإحسان، فيكون الحمد لذلك أعظم من الحمد على النعمة، وإن كان كلاهما من موجبات الحمد لله تعالى، وأما الخوف فيكون لأمرين العظمة وخوف العقاب، ومعرفة العظيم توجب الحياء المانع من السوء الذي يغضب العظيم بلا نظر إلى العقاب، كما كان بعض السلف يقول: (هب أنه غفر لي فأين حيائي منه؟) ، والخوف من عقابه توجب ترك المنهي عنه بالنظر لعاقبة الغضب وهو عقاب القادر العظيم العادل، والخوف الأول -بسبب الحياء- أعظم وأجل من الثاني وإن كان كلاهما من الإيمان بالله تعالى، والعباد يتفاوتون في الإيمان تفاوتهم في هذه الأبواب، وقد تنازع السلف أيهما أعظم وأجل قدرًا في ألفاظ الذكر هل الحمد أم كلمة التوحيد، مع قول الأكثرين إن لم يكن اتفاقًا أن كلمة التوحيد أعظم من التسبيح، لأن التسبيح نفي النقائص والحمد إثبات الكمال، والإثبات أجل من النفي وأعظم قدرًا، وفي الحديث: (التسبيح نصف الميزان، والحمد تملؤه) ، وفي الأذكار النبوية يكون التسبيح مقرونًا بما يدل على الكمال كقوله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، والذين فضلوا الحمد على كلمة التوحيد لأنهم قالوا إن الحمد يتضمن التوحيد، والصواب أن كلمة التوحيد أفضل في إثبات الأصل وكلمة الحمد أفضل في إثبات الكمال، والله تعالى أعلم.
قوله: (فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقها وحسابه على الله) دل على أن النفوس والأموال مباحة في الأصل دون التوحيد، وأن أموالهم -أي المعاندين المشركين- كما هي أنفسهم غير معصومة، وليس أحد الأمرين مرتبط بالآخر (أي القتال وإباحة الأموال والأنفس) ، فالمقدور عليه لا يتخلف بسبب الممتنع، والمفهوم هنا ممتنع، والمفهوم هنا أن الإباحة لا تكون إلا بالقتال، لأن سببها هو ترك الكلمة أو الإتيان بنواقضها، فالقتال ليس سببًا لغيره، بل هو لسبب وهو الكفر، فتخلف القتال لا يسقط إباحة الأنفس والأموال مع بقاء السبب الموجب للقتال وهو الكفر، فمن علق حكم الإباحة على علة القتال للمفهوم فقد قال أمرًا عجبًا غريبًا.
والحديث يبين الأصل وهو قتال المشركين عمومًا بلا تفريق مع وجود موانع أخرى للقتل كالذمة والعهد، وقد جاءت بذلك الشريعة، فالذي مع كفره وكذا المعاهد لا يقتل، كما أن قوله: (بحقه) أي أن الكلمة لا تعصم من القتل على الدوام إنما تعصمه في الابتداء، والهاء في حقه تعود على الله سبحانه، فإن لله حقوقًا أخرى على العباد غير الكلمة بعضها يوجب القتل أو يجيزه مفصلة في الشريعة لطول ذكرها، وفي أحاديث أخرى قوله: (بحقها) أي الكلمة، وقد تقدم حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: (بحق الإسلام) وكلها على معنى واحد، ولا اختلاف.
قوله: (وحسابه على الله) إيكال أمر الباطن إلى الله تعالى، لأن الشريعة وأحكامها في الدنيا على الظاهر بلا خلاف، فلا ينقب على قلوب الناس وأستارهم مالم تبدُ منهم القرائن، فإن جاء الظاهر الصريح فهو المقدم على غيره من الدعاوى، كالزنديق وغيره في دعواه الإسلام مع ظاهره المخالف لذلك، ولا يقوم مقام الظاهر المعتبر شيء، ومسألة إذا تعارض الظاهر مع الأصل لا اختلاف فيها إذا كان الظاهر بين صريح خلا من المعارض الموافق للأصل. وقوله: (وحسابهم على الله) يدل على أن القضاء بالظاهر لا يغير حكم الباطن على الصحيح في أقوال أهل العلم، فإن قضاء القاضي لا يثبت الحقوق ديانة، وهذا بيّن في قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن قضيت له من غير حقه فإنما أقطع له قطعة من النار) وأدلة اخرى. وهذا الحديث ورد في ألفاظ متعددة كما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وورد عن أنس رضي الله عنه في البخاري: (أمرت أن أقاتل الناس: يعني المشركين، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها) ، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا قوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به) .
من فوائد هذا الحديث: