لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ هو القرآن المكتوب في مصاحفنا شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، وأن اللوح غير أوراق مصاحفنا، وأن الخط الذي فيه غير الخطوط التي في مصاحفنا، وأن القلم الذي كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا، وكذلك ما اختلف وغاير غيره واختص بمكان دون مكان وزمان دون زمان، فهو مخلوق مربوب، وكل ما هو على صفة واحدة لا يختلف ولا يتغير ولا يجوز عليه شيء من صفات الخلق، فكذلك هو كلام الله تعالى القديم وجميع صفات ذاته قديمة وكذلك القرآن محفوظ بالقلوب على الحقيقة، كما قال تعالى:"بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم"لكن نعلم قطعًا أن زيدًا الحافظ غير عمرو الحافظ، وأن قلب هذا غير قلب هذا، وأن حفظ هذا غير حفظ هذا. لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو المحفوظ للآخر بحفظه، وهو شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، إذ هو صفة الله تعالى قديم غير مخلوق، وكذلك نقول إنه مقروء بألسنتنا نتلوا بها على الحقيقة لكن نعلم أن زيدًا القارئ غير عمرو القارئ، وأن لسان زيد غير لسان عمرو، وأن قراءة زيد غير قراءة عمرو، ولكن المقروء لزيد هو المقروء لعمرو شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، بل هو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق وهذا كما قال تعالى:"إنما أنزل اللّه"يعلمه زيد بعلمه ويعلمه عمرو بعلمه، ويعبده زيد بعبادته، ويعبده عمرو بعبادته، ويدعوه زيد بدعائه، ويدعوه عمرو بدعائه ويذكره زيد بذكره، ويذكره عمرو بذكره، ويسبحه زيد بتسبيحه، ويسبحه عمرو بتسبيحه، فزيد غير عمرو. وذكره غير ذكر عمرو، وعبادته غير عبادة عمرو، ولكن المعبود لهذا هو المعبود لهذا، والمذكور لهذا هو المذكور لهذا، والمسبح لهذا هو المسبح لهذا، والله تعالى القديم الواحد الذي"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".