فتحداهم بقلب العصا حية، فعلم المحققون منهم في السحر: أن ذلك خارج عن قبيل السحر؛ لعجزهم عن ذلك، وخرقه لعادة السحر، فسارعوا إلى الإيمان، وهذا يدل على فضل العلم من أي نوع كان: فإنه أولى من سارع إلى الإيمان السحرة، لعلمهم بالسحر، فكان في علمهم ذلك وإن كان باطلًا فضل كبير على غيرهم من قومهم ممن لا يعلم السحر.
وكذلك عيسى عليه السلام: جاء في زمان قوم طب ومداواة، فأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، فأتى بما هو خارج عن قبيل الطب. خارقًا للعادة فيه، لا يقدر عليه مخلوق.
وكذلك: نبينا صلى الله عليه وسلم، جاء في وقت فصاحة وشعر وخطب ونظم ونثر، فأتاهم بما هو خارج عن عاداتهم في النظم والنثر، وهو أفصح وأجزل وأوجز، وتحداهم بالإتيان بمثله، فوجدوا ذلك خارجًا عن نظمهم ونثرهم وخارقًا لعادتهم، فعجزوا عنه فسارع من هداه الله إلى الإيمان به، ولله الحمد والمنة، على الهداية والتوفيق.
ويجب أن يعلم: أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق، وأن شرعه لا ينسخ، بل هو ناسخ لجميع من خالفه من الملل.
والدليل على ذلك: ثبوت نبوته، وصدق مقاله، وقد أخبر بجميع ذلك.
واعلم أن أكبر معجزاته القرآن العربي، وفيه وجوه من الإعجاز.
أحدها: ما اختص به من الجزالة، والنظم والفصاحة الخارجة عن أساليب الكلام، وتحدى به فصحاء العرب بأن يأتون بسورة من مثله فعجزوا عن الإتيان بمثله، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولم يتأت لهم ذلك في مدة ثلاث وعشرين سنة.