فصل
ويدل على صحة ما قلناه من جهة العقل. وأنه لا خالق إلا الله تعالى، وهو كثير جدًا، لكن نختصر على قدر فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك: أن نقول لهم: إن قلتم إن الواحد منا يخلق أفعاله، من طاعة، أو معصية، أو إيمان، أو كفر فقد شركتم بيننا وبين الله تعالى في الخلق، وأنه لا يتم خلقه إلا بخلقنا. وذلك أن الجسم لا يخلو من حركة، أو سكون، أو كفر، أو إيمان، أو طاعة، أو معصية، فصح أن جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد وبين الرب، وأنه لا يتم خلق أحدهما إلا بمخلوق الآخر، وهذا شرك ظاهر، نعوذ بالله منه.
دليل آخر من جهة العقل: وأنه لا خالق إلا الله، لأن الخالق الصانع أقل ما يوصف به علمه بخلقه، كما قال:"ألا يعلم من خلق"ونحن نجد الواحد منا يفعل ما لا يعلم فعله فيه، ولا يحصره ولا يعده بقدرة، حتى إن الواحد منا يريد أن يتكلم صوابًا فيرمي خطأ، إلى غير ذلك، فيفعل ما لا يعلمه ولا يريده، وأيضًا الواحد منا إذا خرج إلى المسجد حتى وصل إليه، فعند المخالف أن كل خطوة خطاها خلقها وأنشأها، ولو سئل عن عدد كل خطوة خطاها لم يدر ما يقول ولا يعلمه ولا يعرفه؛ فلم يبق إلا أن الخالق لأفعالنا وأكسابنا هو الله تعالى الذي يعلمها، كما قال:"ألا يعلم من خلق"دليل آخر من جهة العقل: وهو: من شرط الخالق للشيء أن يكون قادرًا على خلق الشيء وضده، فإن من يقدر على خلق الحياة يقدر على خلق ضدها، وهو الموت، وكذلك من يقدر على خلق التفريق في الجسم يقدر على خلق الاجتماع له، حتى يعود كما كن جسمًا مؤلفًا، ولما وجدنا أحدنا لا يقدر على ذلك صح أنه غير خالق، ولما وجدنا الخالق تعالى يقدر على خلق الشيء وضده دل على أنه هو الخالق لا خالق سواه،