فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 173

وجواب آخر وهو: أنا نعلم وكل عاقل يعلم أن الرسول عليه السلام إنما أراد بالقرآن ها هنا شيئًا محترمًا يتصون عليه من الأيدي، ولم يرد نفس كلام الله القديم، والذي يدل على صحة ذلك: أن الحافظ للقرآن: القرآن في صدره عندنا حفظًا، لا أن كلام الله القديم يحل في صدر الحافظ حلول الجسم في الجسم، وعندهم على حسب عقدهم أنه حال في صدور الحفاظ كحلول الشيء في الشيء، ومع ذلك فإن الرسول ما نهى أحدًا من الحفاظ أن يدخل بلاد العدو، فلم يبق إلا أنه صلى الله عليه وسلم أراد مصاحف القرآن التي يتصور عليها نيل أيدي العدو، ولم يرد أن القديم يحل في المخلوق حلول الجسم في الجسم حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم.

فصل

فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو جعل هذا القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق قالوا: وقد أطلق عليه صلى الله عليه وسلم أن القرآن يجعل في الإهاب، فدل على أنه حال. فالجواب أن أهل العلم رضي الله عنهم ذكروا في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا كان في زمانه صلى الله عليه وسلم دليلًا على صدقه، وكان معجزة له، وكان إذا كتب في جلد أو رق أو غير ذلك ثم ألقى في النار لم يحترق. ذلك الجلد أو الرق، فيكون معجزة له صلى الله عليه وسلم؛ كانشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات، ثم انقضى ذلك بعد موته: بدليل أن الرقق التي كتب فيها القرآن قد احترقت في زمن الصحابة وغيرهم.

الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم: لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقى في النار لم يحترق أراد بذلك فضل حفظة القرآن، وأنهم لأجل ما حفظوا من كلام الله تعالى وصار حفظه في صدورهم تصير عليهم النار بردًا وسلامًا، فلا تحرقهم، كما كانت على الخليل عليه السلام بإذن الله تعالى. وقد قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت