فالجواب: أن هذا جهل عظيم، وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما كان جسمًا وجوهرًا وعرضًا. أفتقولون: إن الله تعالى جسم، وجوهر، وعرض؟ فإن قالوا: نعم .. فقد أقروا بصريح الكفر للتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم، ولا جوهر ولا عرض ولا يشبه شيئًا من المرئيات. قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحروف ولا أصوات، ولا يشبه بشيء من المسموعات، فكما أنه يرى على الحقيقة ولا تكييف لكلماته. فاتقوا الله وقفوا عند حدوده، ولا تكونوا ممن قال فيهم:"ومن يتعد حدود اللّه فأولئك هم الظالمون". وتمسكوا بقوله تعالى:"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
ثم نقول لهم: أليس الله تعالى قد سمى نفسه بانيًا، وهو بان على الحقيقة، لأنه قال:"أم السماء بناها رفع سمكها فسواها"ولم نر بانيًا على الحقيقة، إلا بآلة من عدة وآجر وحجر وخشب وغير ذلك: أفتقولون إنه مفتقر في بناء السماء إلى ذلك، حتى يكون قد بنى على الحقيقة. فإن قالوا: نعم، كفروا لا محالة، وإن قالوا: هو بناء منه على الحقيقة ولا يفتقر فيه إلى آلة وعدة. قلنا: وكذلك كلامه مسموع منه على الحقيقة بواسطة وغير واسطة، ولا يفتقر في إسماعه إيانا إلى آلة من حروف وأصوات وغير ذلك.
فصل
فإن احتجوا بجهلهم أن الصفة القديمة تحل في الظروف والأوعية كحلول الشيء المخلوق في الشيء المخلوق. فتفسير هذا القول منهم لو عقلوا كان إقرارًا منهم بخلق الله تعالى، لأن القديم لا يتصور عليه النقلة، والتحويل، وتفريغ مكان، وإشغال مكان، وأمكنة، وحصر،