الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلًا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئًا، ولا عرقًا فكيف يكون محدثًا لنفسه ومنقلًا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقسه، ولم يبق إلا أن له محدثًا أحدثه، ومصورًا صوره ومنقلًا نقله؛ وهو الله سبحانه وتعالى.
وإذا ثبت أن للعالم صانعًا صنعه، ومحدثًا أحدثه، فيجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون مشبهًا للعالم المصنوع المحدث؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل: إما أن يشبهه في الجنس، أو في الصورة، ولا يجوز أن يكون مشبهًا له في الجنس؛ لأنه لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثًا كالعالم المحدث، أو يكون العالم قديمًا كهو. لأن حقيقة المشتبهين المتجانسين: ما سد أحدهما مسد الآخر وناب منابه، وجاز عليه ما يجوز عليه، ولا يجوز أن يكون يشبه العالم في الصورة لأن حقيقة الصورة هي الجسم المؤلف، والتأليف لا يكون إلا من شيئين فصاعد؛ ولأنه لو كان صورة لاحتاج إلى مصور صوره، لأن الصورة لا تكون إلا من مصور على ما قدمنا بيانه، وقد بين ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى:"أفمن يخلق كمن لا يخلق"وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو؟ فقال: هو أن تعلم أنه باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم.
وقال الجنيد رضي الله عنه: التوحيد إفراز القدم عن الحدوث، فأحكموا أصول العقائد بواضح الدليل ولايح الشواهد.