فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 173

لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعًا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع.

دليل ثان: ويدل على ذلك أيضًا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدمًا لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى من بالتأخر، دليل على أن له مقدمًا قدمه، وعاجلًا عجله في الوجود، مقصورًا على مشيئته.

ويدل على صحة ذلك أيضًا: علمنا بأن الصور الموجودة؛ منها ما هو مربع، ومنها ما هو مدور، ومنها شخص أطول من شخص، وآخر أعرض من آخر؛ مع تجانسها، ولا يجوز أن يكون المربع منها ربع نفسه، ولا المطول منها طول نفسه، ولا القبيح منها قبح نفسه، ولا الحسن منها حسن نفسه، فلم يبق إلا أن لها مصورًا صورها؛ طويلة، وقصيرة، وقبيحة، وحسنة، على حسب إرادته ومشيئته.

ويدل على صحة ما ذكرناه: أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا وجدنا منها الموت والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيًا، قادرًا، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها.

ويدل على صحة ذلك أيضًا: أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر العاقل المحصل، وهو الآدمي، ثم أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيًا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت