وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه: من لم يقف على علم التوحيد يشاهده من شواهده، زلت به قدم الغرور في مهواة التلف.
وقال الجنيد: أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة: أن يعرف الصانع من المصنوع، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث.
وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي؟ فقال: المعرفة اسم، ومعناه: وجود تعظيم في القلب، يمنعك عن التعطيل والتشبيه.
وقيل لأبي الحسن البوشنجي: ما التوحيد؟ فقال: أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بنفي الصفات.
وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون يشبهها، فيجب أن تعلم أن محدث العالم قديم، أزلي لا أول لوجوده. ولا آخر لدوامه. والدليل على صحة ذلك: أنه لو لم يكن قديمًا كما ذكرنا لكان محدثًا، ولو كان محدثًا لاحتاج إلى محدث أحدثه؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى محدث لأنها محدثة. ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر، إلى ما لا نهاية له ولا غاية، ولما بطل ذلك صح كونه قديمًا أزليًا.
وبمثل هذا الدليل: يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها، فافهمه ترشد، إن شاء الله تعالى.
مسألة: وحدانية الصانع
ويجب أن يعلم: أن صانع العالم جلت قدرته واحد أحد؛ ومعنى ذلك: أنه ليس معه إله سواه، ولا من يستحق العبادة إلا إياه، ولا نريد بذلك انه واحد من جهة العدد، وكذلك قولنا أحد، وفرد وجود ذلك