العاصي إذا نوى بقلبه الندم على المعصية منها أن ذلك حقيقة التوبة، وأن استغفار اللسان تبع لذلك، فصح أن الكلام الأصلي الحقيقي المعنى القائم بالنفس.
وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى."إذا ذكرني عبدي في نفسه"فأثبت الذكر للنفس، فالذكر والقول، والكلام، واحد، فعلم أن حقيقة الكلام المعنى القائم في النفس.
ويدل على ذلك أيضًا قول عمر رضي الله عنه: زورت في نفسي كلامًا فأتى أبو بكر فزاد عليه. فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر كان من أجل أهل اللسان والفصاحة وهو أحد الفصحاء السبعة، والعربي الفصيح يقول كان في نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث، إلى غير ذلك. وأنشد الأخطل:
لا تعجبنك من أثير خطبةٌ ... حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وأعلم أن مذهب أهل الحق والسنة والجماعة أن كلام الله القديم ليس بمخلوق، ولا محدث، ولا حادث، ولا خلق، ولا مخلوق، ولا جعل، ولا مجعول، ولا فعل، ولا مفعول. بل هو كلام أزلي أبدي هو متكلم به في الأزل، كما هو متكلم به فيما لا يزال. لا أول لوجوده، ولا آخر له، وأنه لا يقال إن كلامه حكاية ولا عبارة ولا إني أحكي كلام الله، ولا إني أعبر كلام الله، بل نقول: نتلو كلام الله، ونقرأ كلام الله، ونكتب كلام الله، ونحفظ كلام الله، وأنه يجب التفرقة بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، والكتاب والمكتوب، والحفظ والمحفوظ، ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت، ولا يقال إن القديم يجوز حلوله في المحدث كحلول الشيء في الشيء. وقد قدمنا الأدلة على جميع ذلك وحققناه، ومذهب المشبهة الحلولية المجسمة؛ أن كلام الباري