فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 67

إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا: إن الله تعالى في جهة فوق، وأطلق بعضهم القول:"لأنه جالس على العرش مستقر عليه"تعالى الله عن قولهم.

الدليل على إنه مستغني عن المحل أنه لو أفتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث.

وكلاهما كفر.

الدليل عليه إنه لو كان له محل لاتصف المحل به لأن ما قام بمحل يُتَصِف به المحل.

ألا ترى أن السواد إذا قام بمحل يسمى المحل أسود.

والعلم إذا قام بمحل يسمى عالمًا وإذا كان هو صفة المحل لم يجز أن يكون عالمًا قادرًا لأن الصفة لا تقبل الصفة والأحكام التي هي موجبات المعاني، كالعلم لا يجوز أن يكون قادرًا والقدرة لا يجوز أن تكون عالمة.

والدليل عليه إنه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو: إما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر منه.

وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحدّ والنهاية وهو كفر.

والدليل عليه إنه لو كان في جهة وقدّرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو: إما أن يصل إليه وقتًا ما، أو لا يصل إليه.

فإن قالوا: لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع.

لأن كل موجوين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال أن يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه دلّ على إنه ليس بموجود.

وإن قالوا: يجوز أن يصل إليه ويُحادّيه ويجوز أن يُماسّه أيضًا، ويلزم في ذلك أمران: أحدهما قِدم العالم لأنّا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع، وقد جوّزوا عليه الاجتماع مع غيره والافتراق.

والثاني إثبات الولد والزوجة على ما قالت النصارى فإن الذي يقطع المسافة إليه ويصعد إلى فوق يجوز أن يكون امرأة فتتصل به، وكل ذلك كفر وضلال.

فإن استدلوا بظواهر الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} .

ومثل قوله عليه السلام:"ينزل الله تعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا"وغير ذلك من الآيات والأخبار.

فلأصحابنا في ذلك طريقان: أحدهما الإعراض عن التأويل والإيمان بها كما جاءت، والإيمان بها صحيح وإن لم يعرف معناها.

وهذا الطريق أقرب إلى السلامة.

ومن أصحابنا من صار إلى التأويل، والاختلاف صار لاختلاف القراءتين في قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} إلى قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت