فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 67

يَقُولُونَ آمَنَّا .

فمن صار إلى الوقف على قوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} أعرض عن التأويل وجعل قوله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كلامًا مبتدأ معناه أن العلماء يقولون: {آمَنَّا بِهِ} .

ومن صار إلى أن الوقف عند قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فيكون معناه أن الله تعالى يعلم تأويله والراسخون في العلم يعلمون أيضًا صار إلى التأويل.

ولكن الطريق في الجواب معهم أن نعارضهم بآيات تخالف ظواهرها ظواهر هذه الآيات، وذلك مثل قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وموجب الآيتين حلوله في كل مكان.

قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} ومقتضى ظاهرها إنه محيط بالعلم فإن أعرضوا عن التأويل هذه الآيات مع الإيمان بظواهرها والاعتقاد بأنه لا يكون في كل مكان وإنه غير محيط بالعالم أعرضنا نحن عن التأويل وصرنا إلى الإيمان بما ورد مع الاعتقاد بأن الحق تعالى مُنَزَّه عن المكان.

وإن صاروا إلى التأويل وقالوا: المراد بقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} بالعلم لا بالذات وكذلك قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} يعني بالعلم، صرنا إلى التأويل.

قلنا: المراد بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} القدرة.

فإن قيل: إذا أحملتم ذلك على القدرة لم يكن لتخصيص العرش فائدة.

قلنا: إن العرش أعظم المخلوقات فإذا قدر عليه عُلِمَ من طريق التنبيه إنه قادر على ما دونه.

'لأي أن مثل هذا يلزمهم فيما قالوا: فإن الله تعالى عالم بكل مخلوق غير بني آدم.

فإذا حملوا على العلم لم يكن لتخصيص بني آدم فائدة.

فإن قالوا: خُصَّ بني آدم تشريفًا لهم.

وخُصَّ العرش بذلك تشريفاًَ له.

فإن قيل: الاستواء إذا كان بمعنى القمر والغلبة يقتضي منازعة سابقة، وذلك محال في وصفه.

قلنا: والاستواء بمعنى الاستقرار يقتضي سَبْقَ اضطرار واعوجاج، وذلك محال في وصفه.

وأمّا قوله تعالى: [و] {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} معناه إلى كرامتي ورحمتي وقوله {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} معناه: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ أن يُنزَّلَ عليهم عذابًا من فوق.

وإنما خصّ جهة الفوق لأن الله تعالى أجرى سنته أنه ينزل العذاب من فوق.

وأمّا قوله عليه السلام"ينزل الله كلّ ليلة إلى السماء الدنيا"فالمراد به أن يبعث ملَكًا إلى السماء الدنيا حتى ينادى على ما ورد في الخبر ثم أضاف نزول الملك إلى نفسه كما يقال:"نادى الأمير في البلد إذا أمر بالنداء"أو يقال"قتل الأمير فلانًا"والقاتل غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت