فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 67

يدل على فساد قولهم أن الكلام عندهم حروف منتظمة وأصوات متقطعة.

فإذا قال الواحد منا: زرت الكعبة مختارًا فهو متكلم به عندهم.

ولو قدّرنا أن الله تعالى خلق هذه الحروف والأصوات على صورتها في بعض عبيده ضرورة بحيث لا يمكنه الشكوك منها فلا يخلو: إمَّا أن يُقْضَى بكون من يسمع منه هذه الحروف متكلمًا أو لا يُقضى.

فإن قال: يُقضى بكونه متكلمًا فقد بطل أن يكون المتكلم من يفعل الكلام لأنه لا فعلَ من جهته ها هنا وإنما الفعل لله تعالى.

وإن قال: ذلك العبد غير متكلم به فقد جحد المشاهدة لأنّا نسمع منه الكلام كما نسمع منه إذا كان مختارًا فبطل قولهم.

ويقال لهم: من أصلكم أنّه عالم لنفسه فهلا قلتم أيضًا إنه متكلم لنفسه؟ فإن قالوا إنما لم نقل ذلك لأن الصفة لنفسه يعمّ تعلقها.

ألا ترى أنه كما كان حقيقة وليس الله به متكلمًا.

قلنا هذا باطل بالقدرة فإن عندهم البارئ تعالى قادر لنفسه ثم لا تتعلق قدرته عندهم بجملة المقدورات لأن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى على قولهم.

فبطل أصلكم بذلك.

وإذا أثبت كلام النفس وبطل أن يكون الكلام بمعنى الفعل فقد ثبت كونه سبحانه وتعالى متكلمًا فلابدّ أن يكون كلامه قديمًا لأنه لا يجوز قيام الحوادث بذاته.

شبهتهم في المسألة:

فإن قالوا قوله تعالى:"اخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَأَلْقِ عَصَاكَ"كلام الله تعالى ويستحيل أن يكون البارئ تعالى يخاطب بذلك في أزلة وموسى، عليه السلام، غير موجود لأن الخطاب ولا مخاطبَ هناك لغوٌ، وهذا يَبَابٌ.

ويستحيل ذلك في صفات الله تعالى.

الجواب: إن مثل هذا يُلزمهم.

لأن قوله تعالى:"اخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَأَلْقِ عَصَاكَ"بإجماع المسلمين كلام الله تعالى في دهرنا ووقتنا وموسى غير مخاطب به الآن.

فإذا لم يمتنع إثبات كلام الآن والمخاطب بد قد تقدم ولم يكن لغوًا، لماذا يمتنع إثبات خطاب سابق والمخاطب به متأخَر؟ وربما أوردوا هذا الكلام على وجه آخر، فقالوا: إذا أثبتم كلامًا قديمًًا أزليًا فلا يخلو إما أن تحكموا في الأزل بكونه أمرا ونهيًا وخبرًا واستخبارا أو لا تثبتوا له هذه الأوصاف.

فإن صرتم إلى نفي هذه الأوصاف أبطلتم الكلام، إذ لا يعقل لا يتصف بكونه أمرا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا.

فإن هذه جملة أقسام الكلام.

وإن أطلقتم كونه أمرًا ونهيًا وخبرًا لزمكم إثبات مخاطَبٍ به في الأزل لاستحالة توجّه الخطاب على المعدوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت