قلنا: عندنا الكلام الأزلي يتصف بكونه أمرًا ونهيًا والمعدوم على أصلنا مأمور بالأمر الأزلي بشرط الوجود وما ألزمونا من الاستحالة فيلزمهم مثله.
لأن من مذهب المعتزلة إنه ليس لله تعالى في وقتنا كلام وإنما كان له كلام وقت الخطاب، وقد علم الآن، ونحن الآن مأمورين بالأوامر.
فإذا لم يستعبدوا مأمورًا بلا أمر لِمَ أنكروا أمرًا بلا مأمور؟
ثم هذا باطل.
فإن الله تعالى موصوف في أزلة بأنه قادر بالإجماع.
ومن حُكم القادر أن يكون له مقدور والمقدور هو الجائز الممكن وإيقاع الأفعال في الأزل يستحيل.
فإذا جاز وصفه بكونه قادرًا مع أن وقوع المقدرات مختص بما لا يزال، جاز وصفه بكلام أزلي هو أمر لمن سيكون.
ثم جوابنا عنه أن الكلام في الأزل موجود إلا إنه لو وقع الإخبار عنه في الأزل كان تقديره: إنّي آمُرُ عبيدًا أخلقهم بكذى وكذى وحين خلقهم تقدير الأخبار: افعلوا كذى، وبعدما يغنيهم تقدير الأخبار عنه: إنّي أمرت عبيدًا خلقتهم بكذى.
فالتعبير يرجع إلى الحوادث لا إلى كلامه ومثاله لو قدرنا في الشاهد كلامًا باقيًا وقدرنا أن الواحد منا أضمر في نفسه أن يقول لعبده:"غدًا أدخل السوق وأشتر ثوبًا"فذلك الكلام الآن موجود وتقدير العبارة عنه إنيّ أريد أن أقول لعبدي:"أدخل السوق وأشتر الثوب"فإذا جاء الغد كان تقديره العبارة عنه:"أدخل الشوق وأشتر الثوب"فإذا مضى الغد والرجل عبّر على ما أضمر فيكون تقدير العبارة بأنيّ قلت لعبدي:"أمس أدخل السوق وأشتر الثوب".
فالمعنى القائم بذاته في الأحوال كلها واحد.
والاختلاف يرجع إلى العبارة الدالة عليه لا إلى نفس المعنى كذى في وصف كلامه.
ومن شبههم إنهم قالوا القرآن معجزة الرسول، صلى الله عليه، والمعجزة لا تكون إلا أفعالًا خارقة للعادة ولا يجوز أن تكون المعجزة قديمة إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون علمه القديم معجزة وسمعه القديم معجزة.
وهذا لآن القديم لا يختص ببعض المحدثين حتى يصير معجزة له.
وإذا ثبت كونه معجزة ثبت إنه مخلوق.
فالجواب: أن عندهم القرآن حين كان أصواتًا ثم انقضت والمتلو والمحفوظ ليس بكلام الله تعالى ونفى كلامه أشنع مما ذكرنا.
جواب من مذهبهم أن ما تحّدى به الرسول لم يكن كلام الله تعالى، وإنما تحدى مثله.
وعندهم أن كل قارئ آتٍ بمثل كلام الله تعالى وقد قال: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ