فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 67

ثم منهم من صرّح بالإقرار ومنهم من سكت.

والدليل على اعترافهم إنهم ارتقوا من دفعة بالمجاوبة إلى محاربته بالسيوف حتى قتُلوا وقُهروا ونُهِبَتْ أموالهم وسُلبت ذراريهم.

والعاقل لا يشتغل بأمر يكون فيه هلاكه وهو يقدر على دفع الخصم بما لا يخاف منه الهلاك والضرر.

ولو قدروا على معارضته لاشتغلوا به فثبت إنه من أفصح الكلام ومعنى الفصاحة والبلاغة يعود إلى أمرين: أحدهما العبارة عن المعنى السديد بلفظ شريف يدلّ على المقصود من غير زيادة وجمع المعاني الكثيرة تحت عبارة وجيزة.

وهذا لا يعد في القرآن، كثيرة.

فمن ذلك إنه أخبر عن قصص الأولين وعن إهلاكهم في شطرانه.

وذلك قوله تعالى: { ... فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} ....

الآية.

وذلك أخبر عن سفينة نوح وإجرائها على الماء وإهلاك الكفرة واستقرار السفينة وتسخير السماء والأرض بالأمر في ألفاظ وجيزة وقوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا ... } إلى آخر الآية.

وأخبر عن الموت وحسرته وفي الدار الآخرة وثوابها وعقابها وإن الدنيا دار غرور وإنها قليلة بإضافة إلى دار البقاء في ألفاظ معدودة وهو قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ...

إلى آخر الآية.

وأمثال ذلك كثيرة.

والوجه الثاني من البلاغة إنه ذكر القصص واستوفاها بأجزل عبارة وأفصحها.

والبلغاء إنما يحسن كلامهم في التشبيب.

فإذا أشرعوا في حكاية الأحوال تركوا الجزالة وإن أردَوا الجزالة لم يذكروا مقصودهم من المعنى إلا بتطويل وزيادة على القدر المحتاج إليه.

فظهر به الفصاحة.

والوجه الثالث من الإعجاز أن القرآن يضمن الإخبار غن قصص الأولين على وفق ما كان في الكتب المنزّلة على الرسل قبله، والرسول كان أميًَّا لم يكن قد درس الكتب ولا اشتغل بالعلم وكان قد نشأ بينهم ولم يُعْرَف له سَفْرًا يتوقع فيه تلقف العلم، فظهر بذلك صدقه.

والوجه الرابع يضمن الإخبار عن أمور في المستقبل وخرجت كلها عن ما وقع الإخبار عنه موافقًا له فمن ذلك قوله: {لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} ولد يقدروا عليه.

وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} ...

وما قدروا عليه.

وقال الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} ...

وتحقق دخوله.

وقال تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} .

وقد تحقق دخوله في القرآن أكثر من أن يحصى.

فظهر بذلك كون القرآن معجزًا وإذا أثبت ذلك لزم الانقياد وبطل دعوى من أنكر المعجزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت