فإذا عرفت هذا فاعلم أن الوجود إنما يصح أن يكون صفة نفسية عند من يجعله زائدا على الذات، وأما عند من يجعله نفس الذات فليس بصفة أصلًا، وقد سبق الاعتذار عن عده من الصفات النفسية، وبمثل ذلك يعتذر هنا عن عده من الصفات النفسية أي معنى الوجود راجع للذات سواء قلنا إنه عين الذات أو زائد على حقيقتها؛ لأن الذات لا تثبت في الخارج عن الذهن إلا إذا كانت موجودة. قوله والخمسة بعدها سلبية يعنى أن مدلول كل واحد منها عدمُ أمرٍ لا يليق بمولانا جل وعز، وليس مدلولها صفة موجودة في نفسها كما في العلم والقدرة ونحوهما من سائر صفات المعاني الآتية، فالقدم معناه سلب، وهو نفي سبق العدم على الوجود، وإن شئت قلت هو نفي الأولية للوجود، والمعنى واحد والبقاء هو نفي لحوق العدم للوجود، وإن شئت قلت نفي الآخرية للوجود، والمخالفة للحوادث هي نفي المماثلة لها في الذات والصفات والأفعال، والقيام بالنفس هو نفي افتقار الذات العلية إلى محل أي ذات أخرى تقوم بها قيام الصفة بالموصوف، ونفي افتقاره تعالى إلى مخصص أي فاعل، والوحدانية
[حاشية الدسوقي]
باعتبار أنفسهما، أي وجودهما باعتبار ذاتهما لا بالتبع للغير احترازًا من المعنوية، فإنها موجودة بالتبع للمعاني، هذا محصله.
واعترض بأن قوله في أنفسهما لا حاجة له، لأن مرادنا بالوجود هنا الوجود في خارج الأعيان أي بحيث يصح رؤيتهما فخرجت المعنوية، ولا يحتاج لما قاله إلا لو أريد بالوجود الثبوت فتأمل.
(قوله: فإذا عرفت هذا) أي ما ذكر من تعريف الصفة النفسية (قوله: فليس بصفة أصلا) أي فضلًا عن كونه صفة نفسية (قوله: بمثل ذلك) أي الاعتذار السابق يعتذر عن عده الخ أي فيقال إنما جعل صفة نفسية لأن الذات توصف به في اللفظ، وأنت خبير بأن هذا لا يكفي في خصوص كونه صفة نفسية وهو المطلوب هنا؛ وإن كفى في مطلق كونه صفة وهو المطلوب هناك، ومن ثم زاد الشارح قوله أي معنى الوجود الخ.
(قوله: أي معنى الوجود) هذا بيان لوجه نسبة الوجود إلى النفس على قولين فيه من كونه زائدًا على الذات أو عينها، وحاصله أن نسبة الوجود للنفس من حيث إنه راجع إليها؛ أما على الثاني فلأنه عينها، وأما على الأول فلأن ثبوتها في الخارج عن الذهن موقوف على الوجود فبينهما نوع ملابسة فصح نسبة أحدهما للآخر. إن قلت إن النسبة ظاهرة على القول بأن الوجود غير الذات لاختلاف المنسوب والمنسوب إليه، وأما على أنه عينها فكيف تصح النسبة والحال أنها من نسبة الشيء إلى نفسه فالجواب أن الوجود لما كانت الذات توصف به في اللفظ بحيث يقال ذات الله موجودة كانت بينهما مغايرة لفظية فصحت نسبة أحدهما للآخر بحسب تلك المغايرة اللفظية حتى قيل فيه إنه نفسي.
والحاصل أنه على القول بأن الوجود زائد على الذات فلا إشكال في عده صفةً، ولا في نسبته للنفس لأن ما ليس عينا ينسب ويعد وصفًا، وأما على القول بأنه عين الذات فالجواب عن النسبة كالجواب عن عده صفةً، وحاصله أن الوجود لما كان يذكر مع الذات في اللفظ فيقال ذات الله موجودة صح بهذا الاعتبار عده صفة، وصحت النسبة وإن كان ما هو عين لا يُعَدُّ وَصْفًَا ولا ينسب، ولكن يصحان مجازا بعلاقة ما ذكر.
(قوله: يعنى أن مدلول كل واحدة) الأولى أن يقول يعني أن كل واحدة سلبت الخ، لأن الصفة ليست لفظ القدم والبقاء وما معه حتى يكون له مدلول، وإذا علمت أن كل واحدة سلبت أمرًا لا يليق بمولانا تَعْلَمُ أن نسبة هذه الخمسة للسلب من نسبة الجزئيات لِكُلِّيِّهَا، وإنما اعتنى الشارح ببيان المراد من كون هذه الصفات الخمس سلبية حيث قال يعني الخ؛ لأن السلبي له إطلاقان:
فيطلق على سلب الأمر الذي لا يليق بمولانا، ويطلق السلبي على الأمر المسلوب عنه كالشريك والعمى والجهل، فلما كان السلبى محتملا لأمرين بَيَّنَ الشارح اللائق بالمقام فذكر أن المراد بكون هذه الخمسة سلبية أن كل واحدة منها سلبت أمرًا لا يليق بمولانا، وليس المارد بكونها سلبية أنها مسلوبة عن المولى ومنفية عنه؛ وإلا لثبت له نقائضها وهي الحدوث وطرو العدم والمماثلة للحوادث الخ، قال الشيخ الملوى: التحقيق أن الصفة السلبية مباينة للسالبة، لأن السلبية ما دل لفظها على سلب نقص مطابقةً كالخمسة المذكورة، والسالبة ما دل لفظها على نفي نقص التزامًا، وذلك كالقدرة وما معها من صفات المعاني، فلفظ القدرة يدل مطابقة على صفة يتأتى بها إيجاد الممكن، ويدل التزامًا على سلب العجز وهكذا.
(قوله: كما في العلم والقدرة) أي كالوجود الذي في العلم والقدرة (قوله: معناه سلب) أي نفي بمعنى انتفاء. (قوله: وهو نفي سبق العدم الخ) إضافة سبق للعدم من إضافة الصفة للموصوف أي وهو نفي العدم السابق على الوجود كما يُفهم من قوله سابقًا وهو سلب العدم السابق على الوجود، والمراد بالنفي هنا الانتفاء وكذا يقال فيما بعد لأن النفي فعل الفاعل.
(قوله: والمعنى واحد) يأتي فيه ما مَرَّ سؤالًا وجوابًا. (قوله: نفي لحوق العدم للوجوب) إضافة لحوق للعدم من إضافة الصفة للموصوف، أي نفي العدم اللاحق للوجود بقرينة ما تقدم له في تعريفه حيث قال هو عبارة عن سلب العدم اللاحق للوجود، والمراد بالنفي الانتفاء. (قوله: نفي المماثلة) أي انتفاؤها فهي أمر عدمي، وبعضهم جعلها من النسب الإضافية لأن المخالفة لا تعقل