فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 238

غير معللة بعلة كالتحيز مثلا للجرم فإنه واجب للجرم ما دام الجرم، وليس ثبوته له معللا بعلة، واحترز بقوله غير معللة بعلة عن الأحوال المعنوية ككون الذات عالمة وقادرة ومريدة مثلا فانها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات، واحترز أيضا من صفات المعاني، أما العلم والقدرة فليستا من الصفات النفسية ولا المعنوية، لأن هاتين أحوال، والحال ليست بموجودة في نفسها ولا معدومة، والعلم والقدرة صفتان موجودتان في أنفسهما قائمتان بموجود،

[حاشية الدسوقي]

ولو كانت الذات باقية، بل ذكر بعضهم أنه خرج به أيضا المعنوية القديمة لن المعنوية مطلقا قديمة أو حادثة وجوبها للذات منوط بوجود عللها لا بدوام الذات، وحينئذ فقوله بعد ذلك غير معللة بعلة قيد لبيان الواقع لا للاحتراز، وبحث فيه بعضهم بما حاصله أنه فرق بين المعنوية الحادثة والقديمة، فالأولى تنعدم بانعدام عللها وإن كانت الذات باقيةً، فصح إخراجها بقوله مادامت الذات، وأما المعنوية القديمة فلا يتأتى انتفاؤها أصلًا؛ لأنه لا يتصور انتفاء المعاني التي هي عللها أي ملازمة لها، وحينئذ فيصدق على المعنوية القديمة أنها دائمة بدوام الذات وإن كانت مرتبطة بالمعني لإمكان أن يقال دوامها بدوام الذات، أو بوجود الصفات لوجود الدوامين، وحيث دامت بدوام الذات؛ والنفسية كذلك، فالفارق بينهما التعليل وعدمه، فالمعنوية معللة والنفسية غير معللة، فيحتاج لإخراج المعنوية القديمة بقيدٍ؛ وهو قوله غير معللة بعلة، وقد سلك الشارح هذا المسلك فجعل قوله غير معللة بعلة للاحتراز عن الحال المعنوية إلا أنه أطلق فيها، وينبغي أن تقيد بالقديمة.

إن قلت إنَّ غير معللة بعلة يغني عن القيد الأول فكان عليه أن يقول الحال الواجبة للذات غير معللة بعلة، فتخرج المعنوية بقسميها قديمة أو حادثة بقوله غير معللة بعلة. قلت: القيد الأول وقع في مركزه ولم يأت الثاني إلا بعد ذكره؛ فلا يعتبر إغناؤه عنه وإلا لزم أن لا يؤتي بجنس لإغناء الفصل عنه، والمعتبر في الحدود من جهة الإغناء كون المتقدم يغنى عن الثاني. (قوله: غير معللة) ليس خبر الدام لما علمت أنها تامة لا خبر لها؛ بل هو بالنصب حال من المبتدأ، وهو الحال على مذهب سيبويه المجوز لمجئ الحال من المبتدأ ومن الضمير في الواجبة، ولا يصح أن تكون دام ناقصة وغير معللة خبرها؛ لأن الذات لا تعلل أي لا تلازم غيرها، ولا يصح أن يكون غير بالرفع صفة للحال لأن لفظ الحال هنا معرفة وغير نكرة، والمراد بالتعليل التلازم أي الحال غير الملازمة لشيء، وليس المراد به التأثير في المعلول إذ لا يقول به اهل السنة.

(قوله: كالتحيز للجرم) المراد بالجرم ما قام بذاته سواء كان جسمًا أو جوهرًا فردًا، والمراد بتحيزه أخذه قدرًا من الفراغ كما مر. (قوله: مثلا) أي وكقيام العرض بذات فإنه صفة نفسية للعرض لا يقبل الانفكاك عنه ما دام العرض موجودًا، وفي تمثيل الشارح بالتحيز إشارة لما قلناه من أن التعريف للصفة النفسية مطلقا قديمة وحادثة.

(قوله: فإنه واجب للجرم) أي لا يقبل الانفكاك عنه. (قوله: مادام الجرم) أي مدة دوامه، وأما عند عدمه فلا تحيز له.

(قوله: عن الأحوال المعنوية) منه يعلم أن لفظ الحال يطلق على أمرين:

أحدهما: صفات النفس.

وثانيهما: الصفات المعنوية.

وأن الفصل المميز بينهما التعليل وعدمه، (قوله: فإنها) أي الأكوان المذكورة الممثل بها معللة بقيام العلم والقدرة الخ، أي بالعلم والقدة والإرادة من حيثُ قيامُها بالذات، وذلك لأن كونه عالما مثلًا معلل بالعلم لا بقيامه بالذات خلافًا لظاهر الشارح، لكن لما كان العلم ليس علة في الكون عالما من حيث ذاتُه بل من حيث قيامه بالذات.

قال الشارح رحمه الله المعلل بقيام العلم الخ، والحاصل أن الموجب هو الوصف من حيث قيامه بالذات لا مجرد الوصف من غير قيامه بها، واعلم أن المراد بالتعليل هنا التلازم، فالمعاني وهي المعبر عنها بالعلل ملزومةٌ، والمعنوية التي هي المعلولات لازمةٌ لها. (قوله: لأن هاتين) أي الصفة النفسية والحال المعنوية أحوال. (قوله: ليست بموجودة في نفسها) أي بحيث يمكن رؤيتها كالقدرة.

(قوله: ولا معدومة) أي كشريك الباري أي وإنما هي أمر ثابت في نفسه لم يصل لمرتبة الوجود بل قريب منها، والذي دلنا عليه الأدلة، وما وقع في بعض العبارات من أنها ليست موجودة في نفسها أي بحيث يمكن رؤيتها؛ وإنما هي موجودة في الأذهان غير صحيح، والصحيح أنها واسطة بين الموجود والمعدوم؛ فلها ثبوت في نفسها يعنى في خارج الأذهان لكن لا يمكن رؤيتها لعدم وجودها في خارج الأعيان؛ وليست معدومة. (قوله: صفتان موجودتان) أي ويمكن رؤيتهما (قوله: في أنفسهما) أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت