التي تستدعي في حقنا بحسب العادة اتصالات لأجل الخلاف الذي في هذه الصفة؛ هل هي في حقه تعالى ترجع إلى العلم أم هي زائدة على العلم، ويكون إدراكه تعالى لتلك الأمور بإدراك زائد على العلم من غير اتصال بها ولا تتكيف الذات العلية بما جرت العادة أن تتكيف به ذواتنا عند هذا الإدراك من اللذات والآلام ونحوهما، ويتعلق هذا الإدراك على هذا القول في حقه تعالى بكل موجود كسمعه جل وعز وبصره، والذي اختاره بعض المحققين في هذا الإدراك الوقف لعدم ورود السمع به، فلأجل ما وقع فيه من هذا الخلاف تركنا عده في صفات المعاني واقتصرنا على المجمع عليه وبالله تعالى التوفيق.
[حاشية الدسوقي]
يقول ليس له إدراك لأن المولى يدرك هذه الأشياء الثلاثة وتنكشف له بعلمه لا بصفة زائدة، وقيل بالوقف وهو الأصح، فجملة الأقوال ثلاثة، ولوجود هذا الخلاف في الإدراك وعدم الاتفاق عليه تركه ولم يعده صفة ثامنة بخلاف السبعة المتقدمة، فللاتفاق عليها ذكرها هذا حاصل كلام الشارح.
(قوله: التي تستدعي) أي تقتضي بحسب العادة اتصالات أي بالمذوقات والمشمومات والملموسات فأنت لا تدرك حلاوة السكر مثلًا إلا إذا اتصل بالقوة الذائقة بأن تضعه على اللسان لا إن وضع على اليد فلا تدركها عادةً وإن جاز عقلا، فيجوز أن يخرق الله تلك العادة وتدرك حلاوة السكر بيدك أو أنفك أو بلسانك من غير اتصال. (قوله: لأجل الخلاف الذي في هذه الصفة) علة لقوله لم يَعُدَّ كما يشعر به قوله فلأجل ما وقع الخ، ويحتمل أنه علة لقوله وإنما اقتصر، ويمكن أن يكون من باب التنازع.
إن قلت: إن السمع والبصر قد وقع الخلاف فيهما، فقد قيل إنهما نوعان من العلم وإنه يغني عنهما، فكان الأولى في التعليل أن يقال لعدم ورود النص بهما بخلاف السمع والبصر فقد ورد النص بهما. أجيب بأن المراد بقوله لوجود الخلاف فيه أي الخلاف القوي بخلاف الخلاف في السمع والبصر، فإن القول بردهما للعلم قول ضعيف. (قوله: من غير اتصال بها) أي بالمشمومات والمذوقات والملموسات بخلاف الحادث فإنه لا يدرك تلك الأمور إلا باتصاله بها بأن يضع هذه الأمور على لسانه أو على أنفه أو يضع يده عليها كما مر. (قوله: ولا تتكيف) أي ولا تتصف الذات العلية بلذة عند إدراكها حلاوة السكر مثلًا، ولا تتصف بالألم عند إدراك مرارة الصَّبِر مثلا.
(قوله: من اللذات) بيان لما جرت العادة أن تتكيف به ذواتنا عند إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات. (قوله: ونحوهما) أي كالحرارة والبرودة الحاصل كل منهما عند مس الجسم الحار أو البارد.
والحاصل أنَّ الشخص منا إذا وضع يده على جسم حار تكيفت يده بالحرارة وهكذا؛ وأما المولى فيدرك الحرارة والبرودة ولا يتكيف بهما. (قوله: بكل موجود) هذا ينافي ما تقدم؛ وذلك لأنه قد تقدم أنه على القول بثبوت صفة الإدراك نقول إنه يتعلق بالمذوقات والمشمومات والملموسات، وما هنا يقتضي أن صفة الإدراك على القول بثبوتها تتعلق بكل موجود سواء كان مشموما أو مذوقا أو ملموسا أو مسموعا أو مبصرًا كان ذلك المسموع والمبصر قديمًا أو حادثًا حتى إنه يدرك ذاته وصفاته بهذا الإدراك، وأجيب بأن هذا إشارة لطريقة ثانية.
والحاصل أن المسألة ذات أقوال ثلاثة:
الأول: أنها ادراكات ثلاثةٌ؛ كل واحد يتعلق بشيء خاص، وقيل: إنه إدراك واحد يتعلق بثلاثة أمور، وقيل: إنه إدراك واحد يتعلق بكل موجود، وعلى هذا القول فله تعلق صلوحى قديم وتنجيزي حادث بالنظر لذواتنا، فانكشاف ذواتنا تنجيزي حادث، وصلاحيته في الأزل لانكشاف ذواتنا وأوصافنا به عند وجودنا صلوحى قديم، وتعلقه بذاته وصفاته تعالى أي انكشافهما به تنجيزيٌ قديمٌ، وأما على القولين الأولين فله تعلق تنجيزي حادث وصلوحي قديم.
(قوله: لعدم ورود السمع به) فيه أن هذه العلة تقتضي الجزم بعدم ثبوته لا الوقف فكان الأولى أن يقول لعدم ورود السمع به مع الالتفات للشاهد، والحاصل أن المنتج للتوقفِ النظرُ لمجموع الأمرين؛ عدم وروده وثبوته في الشاهد، وأما لو نظر لعدم ورود السمع به وحده كان منتجا لعدم ثبوته، ولو نُظِرَ لحصول ذلك الإدراك في الشاهد لقيل بثبوته لأن ما لم يثبت للغائب وثبت للشاهد فإنه يثبت للغائب قياسًا له على الشاهد. (قوله: لعدم ورود السمع به) أي باتصافه تعالى بالإدراك في مقام يقتضي تعلقه بمطعوم أو مشموم أو ملموس، وأما وصفه بالإدراك في مقام يقتضي علمه وإبصاره وسمعه فقد ورد بالاتفاق، قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] . (قوله: على المجمع عليه) أي على ما انعقد عليه إجماع المتكلمين من أهل السنة والمعتزلة، إذ لا ينعقد إجماع دون المعتزلة، وفيه أن المعتزلة من المتكلمين يقولون بنفي هذه السبعة المعاني بل يقولون إنه قادر بذاته عالم بذاته أي من غير قدرة وعلم زائدين على ذاته إلا أن يقال مراده المجمع