فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 238

له تعالى عقلا وشرعا وقد عرفت أن حقيقة الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه لزم أن لا يقبل جل وعز الاتصاف بما ينافي شيئا منها، وأنواع المنافاة على ما تقرر في المنطق أربعة: تنافي النقيضين، وتنافي العدم والملكة، وتنافي الضدين، وتنافي المتضايفين فكل نوع من هذه الأنواع الأربعة لا يمكن الاجتماع فيه بين الطرفين، أما النقيضان فهما ثبوت أمر ونفيه

[حاشية الدسوقي]

له تعالى عقلا وشرعا) المراد بالوجود الثبوت أي لما تقرر ثبوتها بالدليل العقلي والدليل الشرعي وإن كان الناهض هو العقلي فيما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها، والسمعي في هذه الستة، وقوله لما تقرر وجوبها الخ قال بعضهم: لعل فيه تغليبا وإلا فالصفات المعنوية لم يتقرر وجوبها عقلا ولا شرعًا، بل هي عند الاشعري من قبيل المعدومات لأنها أمور اعتبارية عنده كما مر، وقد يقال إن المصنف لم يدع الاتفاق على تقرر وجوبها ليحتاج لما ذكر وإنما ادعى مجرد تقرر الوجوب، وتقرر الوجوب صادقٌ مع الاتفاق ومع الاختلاف، فالمعنى لما تقرر وجوبها وفاقًا وخلافًا فتدبر. (قوله: وقد عرفت) جملة حالية (قوله: لزم) جواب لـ"ما". (قوله: وأنواع المنافاة الخ) لما ذكر أن المراد بالضد هنا البضد اللغوي وهو كلُّ مناف، وكانت أنواع المنافاة مما اختلف فيه المناطقة، والأصوليون ذكر ما عند المناطقة فيها وما عند الأصوليين، فقال وأنواع المنافاة أربعة وعبر غيره يقوله وأنواع التقابل أربعة. (قوله: أربعة) دليل الحصر فيها أن المتقابلين إما أن يكونا وجوديين أو وجوديا وعدميًا، فإن كانا وجوديين فلا يخلو إما أن يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر أوْ لا، الأول المتضايفان كالأبوة والبنوة، والثاني المتضادان كالبياض السواد، وإن كان أحدهما وجوديا والآخر عدميا فإن اعتبر في العدمي كون محله مقابلا للوجود كالبصر والعمى بالنسبة لزيد مثلا لا بالنسبة للحائط فعدم وملكة، وإن لم يعتبر ذلك فتقابل النقيضين كسواد ولا سواد، وهذا الدليل مبنى على أن المتقابلين لا يكونان عدميين، ولا دليل عليه كما قال العلامة السعد، والحق أن مقابل العدمي قد يكون عدميًا كالامتناع وأن لا امتناع، والعمى وأن لا عمى، بمعنى رفع العمى وسلبه أعم من أن يكون باعتبار الاتصاف بالبصر أو باعتبار عدم القابلية، وعلى هذا فتزيد أقسام المقابلة على الأربعة المذكورة. (قوله: فكل نوع من هذه الأنواع الأربعة لا يمكن الاجتماع فيه بين الطرفين) أي ولا يمكن أيضا ارتفاع الطرفين بالنسبة للنقيضين، وأما بالنسبة لغيرهما فيمكن ارتفاعهما، فالأربعة أنواع إنما تشترك في امتناع الاجتماع وإن كانت تلك الأنواع مختلفة في التنافي بين الطرفين شدة وضعفًا، وأقواها النقيضان لأن تنافيهما بالذات، وتنافي غيرهما بالعرض، بيان ذلك أن الخير مثلًا متصف بوصفين الأول كونه خيرًا وهو ذاتي له، والثاني كونه ليس شرًا وهو عرضي، والنقيض وهو الأخير ينفي الوصف الذاتي، والضد وهو شر ينفي الوصف العرضي، ولا شك أن ما نفى الوصف الذاتي أقوى مما نفى الوصف العرضي، فثبت أن النقيض أقوى من الضد، وأيضا منافاة الضد كالسواد مثلًا للبياض ليس لذاته بل لكونه يستلزم نقيض ضده مثلًا، فيلزم من صدق سواد مثلا صدق لا بياض، ويلزم من صدق بياض صدق لا سواد، فلو صدق بياض وسواد لاجتمع بياض ولا بياض وسواد ولا سواد وهو محال بداهةً، وكذلك يلزم في المتضايفين والعدم والملكة، فإذا قيل لك ما المانع من اجتماع الضدين كالبياض والسواد، ومن اجتماع المتضايفين كالأبوة والبنوة، ومن اجتماع العدم والملكة كالعمى والبصر؟

فقل: لو اجتمع الضدان أو المتضايفان أو العدم والملكة للزم اجتماع النقيضين وهو محال بالبداهة، وذلك لأن كلا من الضدين مستلزم لنقيض ضده، والمتضايفان كل منهما مستلزم لنقيض الآخر، وكذلك العدم ولملكة.

واعلم أن استلزام كل واحد من هذه الثلاثة لنقيض الآخر بحسب المحل لا بحسب المفهوم، وبهذا اندفع ما يقال إن الخلافين كل منهما مستلزم لنقيض الآخر، فمقتضاه أنهما لا يجتمعان وإلا لزم اجتماع النقيضين، مثلًا البياض والحركة خلافان، والحركة تستلزم لا سكون وهو شامل للأبياض، والبياض يستلزم لاسواد وهو شامل للاحركة، فإذا اجتمع البياض والحركة اجتمع بياض ولا بياض وحركة ولا حركة.

وحاصل الدفع أن الاعتراض مبني على أن المراد استلزام كل واحد لنقيض الآخر بحسب المفهوم وليس كذلك، بل المراد الاستلزام بحسب المحل.

(قوله: أما النقيضان فهما ثبوت أمر ونفيه) اعلم أن التناقض كما يكون بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت