حتى يتبرأ من الشفاعة، ويهتم بأنفسهم أكابر الرسل والأنبياء، فصلى الله عليه وسلم من رسول ألقت إليه المحاسن والمفاخر كلها مقاليدها، فسما على أعلى منصتها بحيث لا مطمع لمخلوق على العموم في نيل تلك الرتبة العلياء ورضي الله تعالى عن آله وصحبه
[حاشية الدسوقي]
وتمتد أي تطول، ترشيح وذلك لأن امتداد الزمام يؤذن بصعوبة الدابة وشدة جماحها بحيث يخشى على قائدها من سطوتها عليه أن لو كان الزمام قصيرًا.
(قوله: حتى يتبرأ الخ) حتى إما ابتدائية بمعنى فاء السببية فيكون مفرعا في المعنى على ترادف الأهوال، وإما غائية بمعنى إلى أي تترادف الأهوال وتطول شدتها إلى أن يتبرأ أكابر الرسل من الشفاعة الخ، وعلى الأول فيهتم مرفوع، وعلى الثاني منصوب، والمراد بالتبري الامتناع فكل رسول ذهبت الناس إليه ليشفع لهم في فصل القضاء يتبرأ ويمتنع ويبدى عذرا.
(قوله: بأنفسهم) الضمير عائد على متأخر في اللفظ متقدم في الرتبة، لأن قوله أكابر الرسل فاعل لقوله يتبرأ فرتبته التقديم على قوله فيهتم بأنفسهم.
(قوله: أكابر الرسل) جمع أكبر قياسًا، ومراده بالأكابر الذين يتبرأون من الشفاعة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وإذا تبرأت أكابر الرسل عن الشفاعة فغيرهم بالطريق الأولى.
(قوله: فصلى الله عليه وسلم) صلى عليه ثانيا بالجملة الفعلية بعد أن صلى عليه أولا بالجملة الاسمية ليشرب من الكأسين وليحصل له ثواب الصلاتين.
(قوله: مِنْ رسول) حال من ضمير عليه لازمة، ولو قيل إن المعنى فياله من رسول كان حسنا.
(قوله: ألقت إليه المحاسن الخ) المحاسن فاعل ألقت والمفاخر عطف عليه ومقاليدها مفعوله والجملة نعت لرسول، والمحاسن جمع حسن على غير قياس، والمفاخر جمع مفخرة وقد سبق أنها ما يفتخر به من النعم كالعلم والكرم، وحينئذ فعطفها على المحاسن من عطف المرادف، والمقاليد إما أن يراد بها الأمور المتعلقة بها، قال في القاموس ضاقت مقاليده أي ضاقت عليه أموره، فالمقاليد الأمور، وإما أن يراد بها المفاتيح فيكون جمع مقلد كمنجل وهو المفتاح، فعلى الأول يكون قد شبه المحاسن والمفاخر بانسان ذي أمور متعلقة به على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات المقاليد تخييل وألقت ترشيح، وعلى الثاني شبه المحاسن والمفاخر بانسان له خزائن فيها تحف وثياب فاخرة مخزونة فيها على سبيل الاستعارة بالكناية وإثبات المقاليد تخييل، وألقت ترشيح، وعلى كل حال فإلقاء المفاخر والمحاسن أمورها أو مفاتيحها إليه صلى الله عليه وسلم كناية عن تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من المحاسن والمفاخر واتصافه بها وانتسابها له حتى إنه لم يفتح منها شيء.
(قوله: فسما) أي علا وارتفع.
(قوله: على أعلى منصتها) المنصة بكسر الميم وفتحها وفتح الصاد المهملة كرسي تجلس عليه العروس لجلوتها، فشبه المحاسن والمفاخر بعروس بجامع ميل النفس لكلٍ على طريق الاستعارة بالكناية، والمنصة تخييل، وارتفاعه صلى الله عليه وسلم على أعلى منصة المحاسن والمفاخر كناية عن تمكنه من المحاسن والمفاخر، وفيه إشارة إلى أنه ارتفع على غيره من الخلق.
(قوله: لا مطمع) أي لا طمع (قوله: في نيل) أي تحصيل تلك الرتبة العلياء أي وهو السمو على أعلى منصة المحاسن والمفاخر.
(قوله: ورضي الله تعالى عن آله وصحبه) جملة خبرية لفظا إنشائية معنى، لأن المراد منها إنشاء الدعاء بالرضا للآل والأصحاب لا خبرية لفظا ومعنى؛ لأن المخبر بان الله رضي عن الآل والأصحاب ليس داعيا لهم بالرضا، ثم إن الرضا حقيقته حالة قلبية ينشأ عنها إرادة الإنعام وهو بهذا المعنى محال في حق الله تعالى، وقد ورد في القرآن إسناد الرضا لله فاختلف في معناه السلف والخلف، فالسلف يقولون ان لله صفة يقال لها الرضا ولا يعلمها إلا هو، والخلف يؤولونه بالإنعام أو بإرادته فهو صفة فعل على الأول وصفة ذات على الثاني، فإن أريد به الإنعام فتعلق الدعاء به ظاهر، وإن أريد به إرادة الإنعام فالدعاء به من حيث تعلقها بالإنعام الذي هو متجدد فاندفع ما يقال إنه يتعين هنا الأول لأن الدعاء إنما يكون بمستقبل لم يوجد في الحال وإرادة الله سبحانه أزلية يستحيل تجددها حتى يتعلق بها الدعاء، وعبر بالماضي تفاؤلا بتحقق وقوع الرضا حتى كأنه وقع بالفعل ولم يدرج الآل والصحب في الصلاة بان يعطفهما على الضمير في عليه بأن يقول وعلى آله وصحبه كما يفعله غيره إشارة إلى أن ما يفعله غيره ليس بمتعين وإشارة إلى أن الأمر الذي يطلب لهم استقلالا إنما هو الرضا وأما الصلاة فلا تطلب لهم إلا تبعا