وسر الكائنات وعروس المملكة ذي المفاخر التي جلت عن العد والإحصاء وذي المقام المحمود والحوض المورود والوسيلة العظمى دنيا وأخرى وملجأ الخلائق كلهم وإليه يهرعون يوم تترادف الأهوال وتمتد أزمتها
[حاشية الدسوقي]
هو كالشمس بالنسبة للموجودين بجامع الإضاءة في كلٍ، فكما أن الشمس مضيئة للموجودين فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم مُضيءٌ لهم، وإن كانت إضاءة الشمس حسية واضاءة النبي صلى الله عليه وسلم معنوية، وصح التشبيه وإن كانت اضاءة النبي أعظم لتحقق قوة المشبه به في الجملة لكونه حسيًا، ويحتمل ان يراد بالعين الخيار وكأنه قال سيدنا محمد خير الموجودين وأفضلهم.
(قوله: وسر الكائنات) أي الموجودات ثم إنه يصح ان يراد بالسر اللب والخالص، أي وأشرف الموجودات وأحسناها، ويصح أن يراد به الأصل لأن نوره عليه السلام أصل لكل موجود، فقد خلق الله من نوره جميع الموجودات، ويصح أن يراد به البركة أي وبركة الموجودات لأنه ما من نعمة نصل لأحد ولو كافرا إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم.
(قوله: وعروس المملكة) المملكة موضع الملك الذي يتصرف فيه بالأمر والنهى، والمراد به هنا الدنيا والآخرة لأنهما محل لتصرفه صلى الله عليه وسلم، والعروس اسم لكلٍ من الزوج والزوجة في أيام البناء، استعير هنا لمزين فشبه المزين بالعروس بجامع الرغبة في كلٍ، واستعير اسم المشبه به للمشبه أي والمزين للدنيا والآخرة.
(قوله: ذي المفاخر) أي صاحب المفاخر وهو جمع مفخرة وهي ما يفتخر به من النعم كالعلم والكرم وحفظ القرآن.
(قوله: التي جلت) أي عظمت وارتفعت وتنزهت.
(قوله: عن العد) أي عن عد الناس لها، وإن كان المولى يعلم كميتها.
(قوله: والاحصاء) ان أريد به العد كان العطف مرادفا، وإن أريد العلم بكميتها الحاصل من العد كان من قبيل عطف المسبب على السبب، وكأنه قال صاحب المفاخر التي لا يمكن لأحد عدها والعلم بعددها، فلا يعلم كميتها إلا الله تعالى.
(قوله: ذي المقام المحمود) هو الشفاعة العظمى التي يحمده بسببها الأولون والآخرون.
(قوله: المورود) أي الذي ترده جميع أمته ما عدا من كان مغيرا في عقيدته أو كان ظالما متجبرا، ومن شرب منه لا يظمأ بعده أبدا بعد ذلك، فلو أدخل النار بعد شربه منه كان تعذيبه فيها بغير العطش.
(قوله: والوسيلة العظمى) عطف على ذي أي والمتوسل به إلى الله في الدنيا والآخرة، ووصفها بالعظمى لأن غيره من الأنبياء والملائكة والعلماء والأولياء وإن كان يتوسل به إلى الله إلا أنه ليس وسيلة عظمى، ويصح عطفه على المقام وعليه فالوسيلة العظمى بمعنى المنزلة في الجنة ولا يبعد هذا.
(قوله: دنيا وأخرى) لأن المراد أنه محكوم له بتلك المنزلة التي في الجنة في الدنيا وفي الأخرى.
(قوله: وملجأ الخلائق) الملجأ ما يلتجأ إليه، وأراد بالخلائق ما يشمل الجمادات فانها آمنت به والتجأت إليه فصارت آمنة من الخسف، ومن كونها من حجارة جهنم.
(قوله: كلهم) تأكيد أتى به دفعا لتوهم أن ال في الخلائق للجنس المتحقق في بعض الافراد.
(قوله: وإليه يهرعون) مبنى للمفعول لفظا وللفاعل، معنى أي وإليه يسرعون إسراعا حسيا بالأقدام، ومعنويا بأن يلتفتوا إليه بقلوبهم، والجار والمجرور متعلق بما بعده، قدم عليه لإفادة حصر الإسراع فيه، والمراد بالإسراع المحصور فيه الإسراع الأكمل، فلا ينافي أن غيره يسرع إليه يوم تترادف الأهوال، وجملة وإليه يهرعون الخ إما مستانفة أو حالية أي والملجأ الذي تلتجئ إليه الخلائق كلهم في حال إهراعهم إليه يوم تتزايد الأهوال. (قوله: يوم) أي زمن وهو ظرف ليهرعون.
(قوله: تترادف) أي تتابع وتتزايد فيه الأهوال جمع هول، وهو الأمر المخيف الشاق، وفي نسخة ترادف بتاء واحدة وعليه فيصح قراءته مصدرا وفعلا مضارعا حذفت إحدى التاءين منه أي تترادف، وجملة تترادف الأهوال في محل جر بالإضافة للظرف، والرابط محذوف كما قدرنا وفي بعض النسخ التصريح بالرابط هكذا يوم فيه تترادف الأهوال لكن هذه النسخة فيها الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف إليه الظرفي.
(قوله: وتمتد) عطف على تترادف.
(وقوله: أزمتها) بسكون الزاي وفتح الميم مخففة، أي: وتستمر شدتها أي الأهوال فلا تنقضي بسرعة، ويصح ضبطه بكسر الزاي وفتح الميم المشددة جمع زمام وهو مقود الدابة وعليه فيكون شبه الأهوال بدابة صعبة الانقياد على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الزمام تخييل