فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 238

الابإتقان عقائد التوحيد على الوجه الذي قرره أئمة أهل السنة العارفون الأخيار وما أندر من يتقن ذلك في هذا الزمان الصعب، الذي فاض فيه بحر الجهالة وانتشر فيه الباطل أي انتشار، ورمى في كل ناحية من الأرض بأمواج إنكار الحق، وبغض أهله، وتزيين الباطل بالزخرف الغَارِّ، وما أسعد اليوم من وفق لتحقيق عقائد إيمانه ثم عرف بعد ذلك ما يضطر إليه من فروع دينه

[حاشية الدسوقي]

(قوله: إلا باتقان عقائد التوحيد) المراد بإتقانها معرفتها بالدليل؛ ولو إجماليًا، والمراد بمعرفتها اعتقادها اعتقادًا جازمًا، والعقائد جمع عقيدة بمعنى مُعْتَقَدَة، وهي النسبة التامة كثبوت القدرة لله، والمراد بالتوحيد هذا الفن، وإضافة إتقان للعقائد من إضافة المتعلق بكسر الللام للمتعلق بفتح الام، وإضافة العقائد للتوحيد لأدنى ملابسة، لأن العقائد تُذْكَرُ فيه، وكأنه قال إلا باعتقاد العقائد التي تكلم عليها أهل هذا الفن اعتقادا جازمًا مطابقًا للواقع ناشئًا عن دليل.

(قوله: العارفون) أي بالعلوم فلم يقعوا في الزلات، أي لا على الوجه الذي قرره بعض أهل السنة الذين وقعوا في بعض الأحيان في الزلة لعدم معرفتهم بالعلوم، كالمعتزلة القائلين بأن أفعال العبد مشتركة بين قدرته وقدرة ربه.

(قوله: الأخيار) لازم لما قبله (قوله: وما أندر الخ) ما تعجبية مبتدأ، وأندر فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا عائد على ما ومن مفعوله وجملة يتقن صفة لمن وجملة أندر خبر ما أي وما أشد ندرة من يتقن ذلك أي من يعتقد عقائد التوحيد اعتقاد جازما على الوجه الحق.

(قوله: في هذا الزمان) أي زمنه لأنه كان فيه من يدعي المعرفة وهو يعتقد اعتقادا فاسدًا، وأما في زماننا فالمتقنون لتلك العقائد كثير.

(قوله: الذي فاض فيه بحر الجهالة) الفيض سيلان الماء بجانب الوادي لكثرته، والبحر هو الماء الكثير الأمواج لا مجرى الماء، وإضافة بحر للجهالة من إضافة المشبه به للمشبه أي الذي فاض أي كثر فيه الجهالة، أي الجهل الشبيه بالبحر، وفاض ترشيح للتشبيه لملاءمته للمشبه به مستعار للكثرة استعارة تبعية. (قوله: وانتشر) أي تفرق.

(قوله: أيَّ انتشار) مفعول مطلق عامله انتشر أي انتشر فيه الباطل انتشارا أي انتشار، أيْ: اتنشرا كثيرًا.

(قوله: ورمى) عطف على فاض، وفاعله ضمير مستتر عائد على بحر الجهالة، لا على الباطل لمناسبة قوله بأمواج، والمفعول محذوف أي الناس.

(وقوله: في كل ناحية) ظرف لغو متعلق برمى أو مستقر في محل نصبٍ على الحال، وقوله بأمواج متعلق برمى والباء فيه للملابسة، والأمواج جمع موج وهو ما يرتفع من الماء عند هبوب الريح، واضاقة أمواج لما بعده من إضافة المشبه به للمشبه، أي ورمى بحر الجهالة الناس أي تركهم في كل ناحية من الأرض أو رماهم حالة كونهم كائنين في كل ناحية من الأرض ملتبسين بإنكار الحق الشبيه بالأمواج في الكثرة، ويحتمل أن تكون الباء في بأمواج زائدة في المفعول؛ والإضافة فيه كما سبق ويكون المعنى ورمى أي طرح بحر الجهالة إنكار الحق الشبيه بالأمواج في كل ناحية من الأرض، وعليه فلا حذف في الكلام وهذا الاحتمال أحسن مما قبله.

(قوله: وبغض أهله) أي أهل الحق، وهو عطف على أمواج وكذا تزيين.

(وقوله: بالزخرف) متعلق بتزيين، والغار بالغين المعجمة اسم فاعل من الغرور أي وبالزخرف الذي يغر الناس، والزخرف: كلام ظاهره حق وباطنه باطل، كقول المعتزلة العبد لو لم يخلق أفعال نفسه الاختيارية لما عذب على القبيح منها، لكن التالي باطل فبطل المقدم وهو عدم خلقه لأفعاله الاختيارية، فثبت نقيضه وهو خلقه لها.

(قوله: اليوم) أي زمن المصنف وهو ظرف لِوُفِّقَ أي وما أسعد من وفق في هذا الزمان لتحقيق عقائد إيمانه، ويصح أن يكون ظرفا لأسعد، والمعنى أن الموفق لتحقيق عقائد إيمانه ما أشد سعادته في هذا الزمان، ولا يقال إن السعادة دائمة لا مقيدة بذلك الزمان؛ لأنا نقول لما كان سببها التوفيق في ذلك الزمان صار الملتفت له حصولها في ذلك الزمان، وإن استمرت بعد ذلك.

(قوله: مَنْ وُفِّقَ) التوفيق خلق قدرة في العبد على الطاعة، وحينئذ فيرتكب فيه التجريد بأن يراد به هنا خلق القدرة فقط لأجل قوله لتحقيق عقائد الخ.

(قوله: لتحقيق) أي لاثبات تلك العقائد في قلبه بالدليل هذا مراده.

(قوله: عقائد إيمانه) الإيمان هو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من العقائد والأحكام، وإضافة عقائد إليه من إضافة المتعلق بالفتح للمتعلق بالكسر.

(قوله: ثم عرف بعد ذلك) أي بعد تحقيق عقائد إيمانه، وثم هنا لمجرد الترتيب لا له وللتراخي.

(قوله: ما يضطر) أي ما يحتاج. (قوله: من فروع دينه) الفروع: الأحكام مطلقا سواء كانت يتدين بها أم لا، والدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت