فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 238

في ظاهره وباطنه حتى ابتهج سره بنور الحق واستنار، ثم اعتزل الخلق طرا طاويا عنهم شرَّهُ إلى أن ينتقل قريبا بالموت عن فساد هذه الدار، فهنيئا له بما يرى إثر الموت من نعيم وسرور لا يكيف ولا يدخل تحت ميزان الأنظار، لقد صبر قليلا ففاز كثيرًا، فسبحان من يخص بفضله من يشاء من عباده ويقرب من يشاء ويبعد من يشاء بمحض الاختيار

[حاشية الدسوقي]

مجموع الأحكام التي يُتَدَيَّنُ بها، ويتعبد بها، فالإضافة من إضافة العام للخاص فهي للبيان. (قوله: في ظاهره) متعلق بيضطر أي في الأفعال المتعلقة بظاهره كالصلاة. (قوله: وباطنه) أي والافعال المتعلقة بباطنه كالنية.

(قوله: حتى ابتهج) غاية لقوله ثم عرف أي ثم عرف ما يضطر إليه في أفعاله الظاهرية والباطنية من فروع دينه إلى أن ابتهج الخ، والابتهاج: السرور، وقوله سره أي قلبه والمراد به نفسه أي إلى أن حصل الابتهاج والسرور لنفسه.

(قوله: بنور الحق) المراد بالحق ما قابل الباطل، أعنى الأحكام المطابقة للواقع، وإضافة النور إليه من إضافة المشبه به للمشبه أي بالحق الشبيه بالنور، أو إنه شبه الحق بالشمس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات النور تخييل.

(قوله: استنار) أي أنار إنارة تامة كما يؤخذ من السين والتاء، هذا وقد وقع خلاف في النور والضوء فقيل مترادفان، وقيل النور أعظم بدليل الله نور السموات والأرض، وقيل الضوء أعظم من النور بدليل إضافة النور للقمر والضياء للشمس في قوله تعالى: {جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ، (قوله: طرا) أي جميعا (قوله: طاويا) أي قاطعا يقال طوى الأرض إذا قطعها، وأشار بهذا إلى أنه لا ينوي اكتفاء شر الناس؛ لأن ذلك سوء ظن بهم.

(قوله: إلى أن ينتقل) غاية للاعتزال (قوله: بالموت) أي بسببه وهو أمر وجودي يقتضى عدم الحياة على التحقيق، وقيل هو عدم الحياة.

(قوله: عن فساد هذه الدار) أي عن هذه الدار أي الدنيا الفاسدة لما يقع فيها من المفاسد أو الفاسد أهلها فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف. (قوله: فهنيئا) مفعول لفعل محذوف أي فهنأه الله هنيئا، وقوله له ليس متعلقا بهنيئا ولا بهنأ المحذوف ولا بأعنى محذوفا لأن كلا منها يتعدى بنفسه، وإنما هو متعلق بمحذوف غير ذلك بأن قال وإرادتي ذلك الدعاء ثابتة ومتوجهة له.

(قوله: إثر الموت) بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي عقبه. (قوله: من نعيم) أي لجسمه وروحه (قوله: سرور) أي لقلبه وهو من عطف المسبب على السبب (قوله: لا يكيف) أي لا يحاط به ولا يحد بحد (قوله: ميزان الأنظار) الأنظار جمع نظر وهو يطلق على ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى أمر مجهول، ويطلق على الفكر وهو حركة النفس في المعقولات وهو المراد هنا، والإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي ولا يدخل تحت الأنظار الشبيهة بالميزان في أن كلا يعلم به مقدار الشيء، أي ولا يدخل تحت الأفكار أي لا يدخل تحت الأفكار حتى يعلم قدره ويحاط به.

(قوله: لقد صبر قليلا) أي صبرا قليلًا أو زمانا قليلا فهو نصب على المفعولية المطلقة أو الظرفية وكذا يقال في قوله كثيرًا.

(قوله: فسبحان) اسم مصدر وضع موضع المصدر وهو التسبيح بمعنى التنزيه والعامل فيه محذوف أي فأنزه تنزيها من يخص الخ. (قوله: بفضله) يصح أن يراد به الإنعام وأن يراد به المنعم به، والباء داخلة على المقصور، أي أنزه تنزيها من جعل فضله مقصورا على من أراده من عباده أي على من أراد قصره عليه من عباده، وقد اشتهر أن العلامة السعد والسيد جوزا دخول الباء على كل من المقصور والمقصور عليه، فيقال أخص الجود بزيد وأخص زيدا بالجود لكن اختلفا في الأكثر منهما فقال السعد الأكثر دخولها على المقصور وقال السيد الأكثر دخولها على المقصور عليه، وهذا خلاف الصواب والصواب أنهما متفقان في أن الأكثر دخولها على المقصور؛ وأنَّ دخولها على المقصور عليه وإن كان عربيًا جيدا إلا أنه خلاف الأكثر في الاستعمال.

(قوله: من يشاء) حذف مفعول المشيئة للعلم به أي من يشاء تخصيصه به من عباده، وأتى بذلك أشارة إلى أن تخصيص بعض العباد بالفضل مربوط بالمشيئة فلا ينال بطاعة ولا بغيرها، ولا يناله إلا من أراده الله له سواء كان طائعا أو غير طائع.

(قوله: ويقرب من يشاء) عطف على يخص أي وسبحان من يقرب من يشاء تقريبه منه قربا معنويا لا قرب مسافة، والتقريب منه من أفراد الفضل فهو أخص منه نص عليه اعتناء بذلك الخاص لقوته وعظمته. (قوله: ويبعد من يشاء) أي إبعاده منه ابعادا معنويا (قوله: بمحض الاختيار) أي باختياره المحض الخالص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت