وقد ألهم مولانا سبحانه بفضله وعظيم جوده في هذا الزمانِ الكثيرِ الشر لما لا نطيق شكره من معرفة عقائد الإيمان، وأنزلها جل وعز في صميم القلب بما تحتاج إليه من قواطع البرهان، وعَلَّمَ سبحانه بمحض فضله وإحسانه جزئيات قل من يعرفها اليوم، ومن ينبه عليها بالخصوص من الأئمة الأعيان، وأرشد سبحانه بمحض كرمه لتحقيق أمور قد ابتلي بالغلط فيها من لا يظن به ذلك ممن عُرِفَ بكثرة الحفظ والاتقان،
[حاشية الدسوقي]
الخالي عن شوائب الجبر.
(قوله: وقد ألهم الخ) هذا شروع في تعداد نعم ثلاثة أنعم الله عليه بها ذكرها تحدثا بنعمة الله تعالى، والإلهام القاء الخير في القلب بطريق الفيض لا الاكتساب، قال في القاموس ألهمه الله خيرًا لقنه إياه أي ألقاه في قلبه، ومفعول ألهم محذوف ومولانا فاعل أي وقد الهمنى مولانا أي ألقى في قلبي.
(قوله: الكثير الشر) أي الكثير شر أهله (قوله: لما لا نطيق) اللام زائدة في المفعول الثاني وليست أصليه متعلقة بألهم لأنه يتعدى للمفعول الثاني بنفسه، قال تعالى: {فألهمها فجورها} أي وقد ألهمني مولانا مالا نطيق أي شيئا لا نقدر أن نشكره عليه شكرا يقاومه ويوفي به.
(قوله: من معرفة عقائد الإيمان) بيان لما، وقد تقدم أن المعرفة هي الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، والعقائد جمع عقيدة بمعنى مُعْتَقدة، والإيمان هو التصديق التابع للمعرفة، والإضافة من إضافة المتعلق بالفتح للمتعلق بالكسر وكأنه قال من الجزم بالعقائد التي تعلق بها الإيمان أي التصديق.
(قوله: وأنزلها) أي معرفة عقائد الإيمان وهو عطف على ألهم كالتفسير له، (وقوله: في صميم القلب) أي في وسطه وهذا كناية عن تمكن القلب من معرفتها، (وقوله: بما تحتاج إليه) الباء للملابسة أو المصاحبة وهو متعلق بأنزلها وفاعل تحتاج ضمير عائد على المعرفة.
(قوله: من قواطع البرهان) بيان لما تحتاج إليه، والبرهان: هو الدليل المركب من مقدمات يقينية عقلية، والقواطع: جمع قاطع بمعنى مقطوع به أي مجزوم به، وإضافة القواطع للبرهان من إضافة الصفة للموصوف أي من البرهان القواطع، وأل في البرهان للاستغراق أي البراهين القواطع فطابقت الصفة موصوفها في الجمعية، ووصف البراهين بكونها قاطعة وصف كاشف، ثم إنما ذكره من احتياج معرفة العقائد للبراهين منظور فيه لغالبها، وإلا فثبوت السمع له تعالى والبصر والكلام وكونه سميعا وبصيرا متكلما لا يحتاج لبراهين قطعية، بل العمدة في هذه العقائد الستة الدليل السمعي كما يأتي.
(قوله: وَعَلَّمَ) عطف على ألهم وهو يتعدى لاثنين الأول محذوف والثاني قوله جزئيات.
(وقوله: قل من يعرفها) صفة لجزئيات، وجملة سبحانه اعتراضية للتنزيه أي وعلمني سبحانه جزئيات موصوفة بقلة من يعرفها الخ. (قوله: وإحسانه) عطف تفسير (قوله: جزئيات) أي مسائل جزئية لا كلية.
(قوله: قل من يعرفها) أي في نفسه وأراد باليوم زمن المصنف (قوله: ومن ينبه عليها) أي وقل من يفيدها لغيره (قوله: بخصوص) أي بالتعيين والتشخيص أي تعيينها وتشخيصها وذلك كقول المصنف فيما يأتي إن السمع والبصر يتعلقان بكل موجود فقد عين ما يتعلقان به وشخصه، وقال السعد في المقاصد السمع يتعلق بالمسموع والبصر يتعلق بالمبصر وهو محتمل لأن يراد المسموع لله والمبصر لله وهو كل موجود فيكون كلامه مساويا لكلام المصنف، ومحتمل لأن يراد المسموع لنا وهو الأصوات والمبصر لنا كالاجسام والألوان فيكون مخالفا لكلام المصنف، وحينئذ فكلام السعد ليس فيه تعيين وتشخيص للمسموع والمبصر بخلاف كلام المصنف كما علمت.
(قوله: من الأئمة الأعيان) أي المعتبرين في العلم كالسعد.
(قوله: وأرشد) معطوف على ألهم أيضا وفاعله ضمير يعود على المولى، ومفعوله محذوف أي وارشد المولى لتحقيق.
(قوله: بمحض كرمه) أي بكرمه المحض أي الخالص من شوائب الجبر.
(قوله: لتحقيق أمور) أي لذكرها على الوجه الحق، أو لذكرها ملتبسة بالدليل.
(قوله: من لا يظن به ذلك) مَنْ نائبُ فاعلِ ابتلى، والمشار إليه بذلك الغلط. (وقوله: ممن عرف) بيان لـ"من".
(وقوله: ممن عرف) أي عند الناس. (بكثرة الحفظ والإتقان) أي وعرف بإتقان العلوم وأحكامها، وذلك كالعقباني فإنه كان من المعاصرين للمصنف وكان يعتقد اعتقاداتٍ فاسدة كاعتقاده أن كلام الله مركب من الحروف والأصوات، وأن صفات الله ممكنة بذاتها واجبة بغيرها، لأن الذات أثرت فيها بطريق العلة، وكان كثيرا ما تقع المنازعة بينه وبين المصنف، وكابن ذكرى كان من المعاصرين للمصنف وكان كثيرًا ما يقع بينهما النزاع والجدال، لكن ابن ذكرى كان غرضه من المناظرة مع المصنف إظهار الحق والوقوف