بعد أن كان قد احتوى بيت بدنك على كنز عظيم من كنوز مولانا الموصلة إلى كشف الحجب، والتمتع بشريف الرضوان، وأنت لم تدر يا مسكين ما هنالك، وعسر عليك الوصول إلى ما في باطنه من المحاسن الفاخرة التي لا تنال والله لولا فضله سبحانه وتعالى بشيء من الإيمان، ولا شك أن هذه الكلمة مما يجب على كل مؤمن أن يعتني بشأنها إذْ هي ثمن الجنة، والمنقذة من المهالك دنيا وأخرى، وقد نص العلماء على أنه لابد من فهم معناها، وإلا لم ينتفع بها صاحبها في الإنقاذ من الخلود في النار، ولهذا ينبغي أن يكون كلامنا فيها على سبيل الاختصار في سبعة فصول.
(الأول) في ضبط هذه الكلمة المشرفة (والثاني) في إعرابها (والثالث) في بيان معانيها (والرابع) في بيان حكمها (والخامس) في بيان فضلها (والسادس) في كيفية ذكرها على الوجه الأكمل الذي يذوق به ذا كرها جميع لذات محاسنها كلها، أو بعضها على حسب ما يفتح الله له عند ذكرها من التخلية والتحلية. (السابع) في بيان الفوائد التي تحصل لذاكرها بالمواظبة عليها على الوجه الأكمل إن شاء الله تبارك وتعالى، ولنؤخر بيان الفصول الأربعة وهي الرابع وما بعده إلى ما يناسبها في أصل العقيدة وهو قولنا فيها فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها الخ.
أما ضبط هذه الكلمة المشرفة
[حاشية الدسوقي]
العظمى وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإنها نعمة عظمى لاحتوائها على العقائد. (قوله: بعد أن كان الخ) تنازعه قوله: ليحصل لك العلم، وقوله: لتعرف. (قوله: بيت بدنك) من إضافة المشبه به للمشبه، أو الإضافة بيانية. (قوله: على كنز عظيم) الكنز في الأصل ما يكنز من الذهب والفضة، والمراد به هنا العقائد المنطوية تحت لا إله إلا الله. (قوله: بشريف الرضوان) أي رضوان الله الشريف بمعنى العظيم. (قوله: وأنت لم تدر يا مسكين ما هنالك) أي لأن الشخص إذا عرف العقائد بالدليل لا يدري ما يترتب على ذلك. (قوله: وعسر) أي والحال أنه قد عسر، فالجملة حال من فاعل تدري. (قوله: إلى ما في باطنه) أي باطن الكنز، والذي في باطن ذلك الكنز بمعنى العقائد هو ما يترتب على ذلك من الجزاء، هذا كله بناء على ما قدمناه من أن المراد بالكنز العقائد، أما لو أريد بالكنز قول لا إله إلا الله فالمراد بما هنالك وبما في باطنه من المحاسن ما انطوى عليه من العقائد أي إن الشخص كان أولًا لا يعرف ما انطوت عليه من العقائد فلما بينها المصنف صار يعرف ما انطوى تحتها وصار ظاهرا بعد أن كان خفيا. (قوله: بشيء) متعلق بتنال. (قوله: على كل مؤمن) الأولى على كل إنسان مؤمنا كان أو كافرا. (قوله: أن يعتني بشأنها) الاعتناء بشأنها يكون بمعرفة الفصول السبعة الآتية، والمراد بالوجوب التأكد. (قوله: والمنقذة) بكسر القاف اسم فاعل. (قوله: دنيا وأخرى) أي لأنه إذا لم ينطق بها يقتل بالسيف في الدنيا ويعذب بالنار العذاب المؤبد في الآخرة. (قوله: من فهم معناها) أي بحيث إنه يثبت في قلبه وحدانية الله ورسالة سيدنا محمد، والحاصل أن المراد بفهم معناها التصديق بثبوت الوحدانية لله والرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعرف اندراج الصفات تحتها واستلزام معناها لذلك، بل ولو كان بحيث لو سئل عن معناها لقال لا أدري، والحاصل أن من يذكر كلمة الشهادة فإن كان مقلدا في ذكرها ولا يعرف المعنى الذي دلت عليه ولا يعتقده أصلا بل إذا سئل عن معناها يقول سمعت الناس يقولون ذلك فقلته فهذا لا يسهم له من الإيمان بنصيب، بل هو من الجهلة الهالكين ولا انتفاع له بذكرها، وإن اعتقد ثبوت الوحدانية لله والرسالة لمحمد وعرفهما من اللفظ وجهل مدلول الكلمة المشرفة من حيث إنه مدلول لها فهذا مؤمن ولا كلام، وينتفع بذكرها ولا يضر جهله باللسان العربي ولا عدم معرفته اندراج جميع العقائد تحتها على الوجه الذي ذكره المصنف، وعلى هذا يحمل قول الشارح لابد من فهم معناها وإلا لم ينتفع بها صاحبها في الإنقاذ من الخلود في النار. (قوله: ولهذا) أي ولأجل وجوب الاعتناء بشأنها. (قوله: في ضبط هذه الكلمة) أي من حيث النطق لا من حيث الحركات لأنه الإعراب. (قوله: في إعرابها) أراد به ما يشمل البناء، ففيه تغليب، أو في الكلام حذف الواو مع ما عطفت أي في إعرابها وبنائها، والأولى أن يراد بإعرابها تطبيقها على القواعد وليس المراد بالإعراب المقابل للبناء، وإطلاق الإعراب على تطبيق الكلمة على القواعد شائع، يقال أعرب لي جاء زيد بمعنى طبقه على القواعد، إذ لا يناسب من معاني الإعراب غير ذلك تأمل، ويحتمل أن يكون لاحظ ما اصطلح عليه من أن الكلام في الاسم من حيث ذاته تصريف، ومن حيث اجتماعه مع غيره إعراب، وإن كانت الكلمة مبنية فالإعراب في مقابلة التصريف لا في مقابلة البناء. (قوله: من التخلية والتحلية) بيان لما يفتح له، والتخلية بالخاء المعجمة التخليص من الرذائل، والتحلية بالحاء المهملة الاتصاف بالكمالات والفضائل، وحاصله أن الشخص إذا أكثر من ذكرها فإنها تخلص قلبه من الدسائس الشيطانية، وتقوم به الكمالات والمعارف الربانية بحيث يتصف بها ويتحلى بها. (قوله: على الوجه الأكمل) متعلق بذا كرها. (قوله: ولنؤخر بيان الفصول الأربعة وهي الرابع وما بعده الخ) إنما قدم