وقيل المراد بالعشرة في هذا التركيب هو معنى عشرة باعتبار أفرادها كلها، أعني الثلاثة والسبعة معًا، ثم أخرجت الثلاثة بإلا فبقيت سبعة، ثم أسند إليها الحكم بعد الإخراج فلم يلزم تناقض في الحكم؛ إذ ثبوته إنما هو للباقي بعد الإخراج، قيل وهذا القول هو الصحيح، وأدلة ذلك كله مستوفاة في فن الأصول، ولا يخفى تقرير هذه الأقوال كلها في كلمة الوحدانية وبالله تعالى التوفيق.
(ص) إذ معنى الألوهية استغناء الإله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه، فمعنى لا إله إلا الله لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله تعالى.
(ش) تقدم وجه اختيارنا لتفسير الكلمة المشرفة بهذا المعنى، ففسرنا معنى الألوهية على سبيل الإفراد ثم رتبنا عليه معنى التركيب في الكلمة المشرفة، وذلك ظاهر.
(ص) أما استغناؤه جل وعز عن كل ما سواه
[حاشية الدسوقي]
مركب تركيبًا مزجيًا. (قوله: وقيل المراد بالعشرة في هذا التركيب) حاصله أن لفظ عشرة تعلق به أمران، الحكم المذكور الذي هو الإقرار وتعمير الذمة مثلا، وثانيهما نقص ثلاثة منها بقولك: إلا ثلاثة، فقال صاحب هذا القول: إخراج الثلاثة سابق على الحكم، فيقدر أن المعنى بقوله له عندي عشرة إلا ثلاثة عشرة إلا ثلاثة له عندي، وإلى أن الحكم بعد الإخراج عند هذا القائل، أشار بقوله ثم أسند إليها أي إلى السبعة الحكم بعد الإخراج، والمراد بالحكم إلزام السبعة لنفسه. (قوله: فلم يلزم تناقض في الحكم) أي لأنه لما كان الحكم بعد الإخراج، وأن المعنى عشرة إلا ثلاثة له علي لم يحصل تناقض، لأن ثبوت الحكم إنما هو للباقي بعد الإخراج، واعلم أن دعوى صاحب هذا القول أن الإخراج بإلَّا سابق على الحكم خلاف ظاهر لفظ المقر من سبقية الحكم على الإخراج، فهو تكلف احتمال مرجوح، إلا أنه مع كونه احتمالا مرجوحا متكلفا فيه يدفع التناقض في الاستثناء، وموافق لإجماع أهل العربية على أن الإستثناء إخراج بعض من كل بخلاف القولين الأولين، ولذا قيل إن هذا القول هو الصحيح.
(قوله: هذا القول هو الصحيح) أي لأن فيه توفية بما تقدم من أن الاستثناء إخراج بعض من كل، بخلاف القولين الأولين. (قوله: ولا يخفى تقرير هذه الأقوال كلها في كملة الوحدانية) أما الأول فتقريره فيها أن تقول المراد بالعام وهو الإله المنفي ما عدا الله بقرينة إلا، فكما أن العشرة أريد بها السبعة، كذلك الإله المنفي يراد به ما عدا الله، فلم يسند الحكم أولًا لله وإنما أسند إليه الإثبات والنفي مسند لما قبل إلَّا، والمراد به ما عدا ما بعدها فهو عام أريد به الخصوص، وليس عمومه مرادًا تناولًا ولا حكما، وهذا ملحظ من يقول إن الإستثناء منقطع لعدم دخول المستثنى في المستثنى منه بحسب الإرادة، وتقدم أن ملحظ من يقول باتصاله هو أن المستثنى بعض ما تناوله مفهوم المستثنى منه، وإن كان التناول غير مراد، وأما القول الثاني فتقريره أن تقول: ثبوت الوحدانية لله لها عبارتان لا إله إلا الله، والله واحد، وأما القول الثالث فتقريره: أن تلاحظ الإله أولًا ثم تصفه بكونه غير الله، ثم تأتي بالنفي فتقول المعنى كل إله غير الله ليس بموجود والله أعلم. (قوله: إذ معنى الألوهية استغناء الإله الخ) أي لأن معنى الألوهية الغنى عن غيره عموما وافتقار الغير إليه عمومًا، وأورد على المصنف بأنه يلزم على تعريف الألوهية بما ذكر الدور لأن معرفة الألوهية متوقفة على معرفة الإله لأنه أخذ جزء في تعريفها، والحال أن معرفة الإله متوقفة على معرفة الألوهية لاشتقاقه منها، ومعرفة المشتق متوفقة على معرفة المشتق منه، وأجيب بأن هذا تعريف لفظي يقال لمن يعرف الإله ولا يعرف الألوهية، أو بأن الإله جامد ولا يتوقف على الألوهية إلَّا لو كان مشتقا، أو أن المراد بالإله الذات بقطع النظر عن اتصافها بالألوهية.
(قوله: لا مستغنى عن كل ما سواه) ببناء مستغنى على الفتح وعدم نصبه وتنوينه، وإلَّا لرسم بالألف بعد الياء، لأن تنوين المنصوب يرسم ألفا وكان الواجب نصبه وتنوينه لأنه مطول، واسم لا المطول يجب نصبه وتنوينه عند الجمهور، فلعله منصوب وحذف منه التنوين تخفيفا على رأي من أجازه، أو أن الجار والمجرور متعلق بالخبر المحذوف لا بالاسم حتى يكون مطولًا، والأصل لا مستغنى مستغن عن كل الخ. (قوله: كل ما عداه) هو بمعنى ما سواه عدل عنه لقبح تكرار اللفظ، وإنما قدم الاستثناء على الافتقار لأن الأول وصفه، والثاني وصف فعله، لأن افتقار الغير إليه تعالى من حيث فعله. (قوله: إلا الله) أي فإنه مستغن عن كل ما سواه، ومفتقر إليه كل ما عداه، بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات، وأما على القول بأن ما بعد إلَّا مسكوت عن حكمه فالله لم يحكم عليه بشيء، فيحتمل أنه كذلك، ويحتمل أنه ليس كذلك بالنظر للغة. (قوله: فهو يوجب له الخ) اعلم أن المصنف تارة يعبر بيوجب وتارة يعبر بيؤخذ، قال السكتاني: السر في أن المصنف قال: ويجمع معاني هذه العقائد كلها أي العقائد الواجبة والجائزة والمستحيلة فحيث كانت العقيدة من قبل الواجب يعبر بيوجب تنبيها على وجوبها، وعلى أن ضدها مستحيل، وحيث كانت من قبل الجائز يعبر