فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 238

الحمد لله

[حاشية الدسوقي]

رعيته أو للمشبه على ما هو العمدة منه وهو رحمن، وكذا يقال في رحيم، هذا واعلم أن ما ذكروه من أن الباء في البسملة متعلقة بمحذوف لأن الأصل عدم الزيادة يجوز أن يكون فعلا وأن يكون اسما وفي كل إما عام كأبتدئ أو ابتدائي أو خاص كأؤلف أو تأليفي مثلًا، وفي كل إما أن يكون مقدما أو مؤخرا، هذا إذا كان المبتدئ بها من العباد فإن كان اخبارا من الله فليس المعنى على ذلك، بل المعنى باسم الله كان كل شيء ومنه تكون الأشياء، وهذا يستلزم اتصافه بجميع الصفات فتكون الباء مشيرة لجميع العقائد كذا ذكر بعض أئمة التفسير، ثم إن المحذوفات المقدرة في القرآن كالمتعلق المقدر في بسملة الكتاب العزيز الذي هو أقرأ أو أتلو مثلا الذي هو من كلام الحوادث، قيل إنه من القرآن وقيل إنه ليس منه، وفي كلٍ نظرٌ.

أما الأول أعنى جعله من القرآن فيلزم عليه تأليف القرآن من الحادث والقديم، والمركب من القديم والحادث حادثٌ، فيلزم أن القرآن حادثٌ، ويلزم عليه أيضا تأليف القرآن من المعجز وهو كلام الله وغير المعجز وهو المتعلق المقدر والمركب من المعجز وغير المعجز غير معجز، فيلزم أن القرآن غير معجز.

وأما الثاني أعنى جعل المقدرات من غير القرآن فيلزم عليه احتياج القرآن لغيره ولا خفاء أن ذلك نقص، وأجيب من طرف الأول القائل انها من القرآن بأن الكلام هنا في القرآن اللفظي ولاشك أن القرآن اللفظي بجميع أجزائه حادث فلا محذور في لزوم الحدوث، ويُدفع الإيراد الثاني بمنع كون المركب من المعجز وغير المعجز غير معجز، وسند المنع أن مجموع القرآن وكل سورة منه وكل ثلاث آيات منه معجز مع أن الآية والآيتين غير معجز، وأجيب من طرف القائل بأنها ليست من القرآن وهم الأكثر بأنا لا نسلم احتياج القرآن إليه من حيث تمام المعنى به حتى يكون نقصا بل في انزال القرآن مع هذه التقديرات كمال الكمال؛ لأن حذفه إنما هو لاقتضاء المقام حذفه وهذا هو عين البلاغة، والبلاغة كمال لا نقص والنقص اللغوى غير مضر فظهر أن تلك المقدرات مرادة لله لا مقولة له.

بقي شيء آخر وهو تحقيق الخبر والأنشاء في الجملة المقدرة بها البسملة من قولنا أؤلف مستعينا أو متبركا بسم الله الخ، وحاصله أن قولنا متبركا أو مستعينا حال من فاعل أؤلف وقد تقرر أن الحال قيد في عاملها فههنا مُقَيَّدٌ وقَيْدٌ، والأول خبر لصدق حد الخبر عليه وهو ما يتحقق مدلوله بدون ذكر داله، ولا شك أن التأليف يتحقق خارجا بدون ذكر أؤلف.

والثاني: إنشاء لصدق حد الإنشاء عليه، وهو ما يتحقق مدلوله بذكر داله فقط، ولا شك أن كلا من الاستعانة والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه وهو قولنا مستعينا أو متبركا فقد اتضح لك محل الخبرية والإنشائية في جملة البسملة، وسقط استشكال كونها إنشائية بأن شأن الإنشاء ان لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه، والأمر هنا ليس كذلك لتحقق التأليف بدون ذكر أؤلف وكونها خبرية بأن الخبر شأنه تحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه، وماهنا ليس كذلك لأن الاستعانة مثلا لا يتحقق مدلولها بدون ذكر اللفظ الدال عليه، والقول بأن الجملة بتمامها إنشائية تبعا لإنشاء المتعلق غير سديد لكونه فضلة.

(قوله: الحمد لله) الكلام على الحمدلة كالكلام على البسملة في الاشتهار ولكن لا بأس بالتعرض لشيء وهو ان أل في الحمد قيل إنها للعهد، وقيل للاستغراق، وقيل للجنس، وعلى الأول فالمعهود إما حمد الله وعليه فيقدر الخبر من مادة الاختصاص أو الاستحقاق، أي الحمد مختص بالله أو مستحق لله، ولا يصح تقدير من مادة الملك لأن حمد الله قديم، والقديم لا يُملك واما حمد من يعتد به وهو حمد الله وحمد أنبيائه وحمد أولياءه وعليه فيصح تقدير الخبر من مادة الملك كما صح تقدير من مادة الاختصاص والاستحقاق، لأن المعهود حينئذ هو الهيئة المجتمعة من حمد الله وحمد غيره، وهي مركبة من قديم وهو حمد الله وحادث وهو حمد غيره، والمركب من القديم والحادث حادثٌ، والحادث يصح تعلق الملك به وكذا يصح تقدير الخبر من أي مادة من المواد الثلاث المذكورة على جعل أل للاستغراق أو الجنس، ثم إن جملة الحمدلة يصح أن تكون خبرية لفظا ومعنى ويحصل الحمد بها ولا يقال الإخبار عن حصول الشيء ليس ذلك الشيء لأنا نقول لا نسلم أنه كذلك مطلقا، وإنما يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت