الواسع الجود والعطاء الذي شهدت بوجوب وجوده
[حاشية الدسوقي]
كذلك إذا كان الإخبار ليس من جزئيات المُخبر عنه كما في قام زيدٌ، فإن الإخبار بالقيام ليس من جزئياته، أما إذا كان الإخبار عن الشيء من جزئياته فلا يكون كذلك كما في قولنا الخبر يحتمل الصدق والكذب، وكون الإخبار فيما نحن فيه من هذا القبيل ظاهر لصدق تعريف الحمد عليه، ويصح أن تكون إنشائية واستشكل بأنه لا يمكن من العبد أن ينشئ اختصاص الله بالمحامد أو استحقاقه إياها وأجيب بأن المراد بكونها إنشائية أنها لإنشاء الثناء بمضمونها لا أنها لإنشاء مضمونها، ومضمون هذه الجملة الاختصاص المذكور إن قُدر الخبر من مادة الاختصاص، أو الاستحقاق المذكور إن قدر من مادة الاستحقاق، وأما مفهومها فهو ثبوت ذلك الاختصاص لله وظاهر أن المضمون المذكور لا يمكن من العبد إنشاؤه بخلاف الثناء بمضمونها أي ذكر تلك الجملة والإتيان بها فهو ممكن، وعلى هذا فحمد الشارح هو الإتيان بتلك الجملة لا نفس الجملة.
(قوله: الواسع) مأخوذ من السعة وسعة الشيء كثرة أجزائه.
و (الجود) إن فسر باعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على وجه ينبغي أي لا لغرض كالمدح ولا لعوض كان صفة فعل، وقولهم لمن ينبغي أخرج به ما لو أعطى كتابا لمن لا ينتفع به لا بمطالعة ولا بثمنه، وقولهم على وجه ينبغي أخرج به الإعطاء لغرض أو لعوض فلا يكون جودًا. وإن فسر الجود بمبدأ إفادة أي بإعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على وجه ينبغي كان صفة ذات، لأن المراد بالمبدأ المذكور: القدرة والإرادة، وعلى كلٍ من التفسيرين ففي الكلام استعارة تبعية، وتقريرها على الأول أن يقال شبهت كثرة أفراد الإعطاء الذي هو أمر كلي بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة، واستعير اسم المشبه به وهو لفظ السعة للمشبه، واشتق منه واسع بمعنى كثير الإعطاآت التي هي افراد الإعطاء الذي هو الجود، وعلى هذا يكون المعنى الحمد لله الكثير الجود أي الكثير افراد جوده أي المتصف بكثرة أفراد جوده، وتقريرها على التفسير الثاني أن يقال شبهت كثرة تعلقات القدرة والإرادة بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة واستعير اسم المشبه به وهو لفظ السعة للمشبه واشتق منه واسع بمعنى كثير تعلقات القدرة والإرادة وعلى هذا يكون المعنى الحمد لله المتصف بكثرة تعلقات قدرته وإرادته، ثم ان الواسع نعت لله واسم الفاعل اضافته لفظية لا تفيده تعريفا فيكون نكرة فلا يصح جعله نعتا للمعرفة، وأجيب بأنه ملاحظ فيه الدوام فيكون صفة مشبهة، وهي تتعرف بالإضافة وبهذا الاعتبار صح جعله نعتا للمعرفة. (قوله: والعطاء) هو اسم مصدر بمعنى الإعطاء وعطفه على الجود من عطف العام على الخاص إن أريد بالجود الإعطاء المخصوص، أي اعطاء ما ينبغي الخ، ومن عطف المغاير أو الصفة على الموصوف ان أريد بالجود مبدأ افادة ما ينبغي الخ وذلك لأن مبدأ افادة ما ينبغي عبارة عن القدرة والإرادة والإعطاء تعلق القدرة بالشيء المعطى وهو تابع لتعلق الإرادة به بحسب تعقلنا، ولاشك أن التعلق صفة للمبدأ بهذا المعنى فتدبر.
(قوله: الذي شهدت) نسخة المؤلف كما قاله شيخنا الملوي بالتاء لا كتساب فاعله التأنيث من مكتسب التأنيث من المضاف اليه، وشهد مأخوذ من الشهادة وهي الاعتراف والاقرار باللسان المطابق لما في القلب لأنها لا يعتد بها إلا إذا كانت كذلك.
وقوله: وجوب افتقار الخ فاعل شهد، ولا يخفى أن الشهادة بالمعنى المذكور لا تسند حقيقة إلا للعقلاء وحينئذ فيكون إسنادها لوجوب الافتقار مجازا عقليا، ويصح أن تجعل في التركيب تجوزا لغويا إما في المسند على أنه استعارة تبعية بأن تشبه الدلالة بمعنى الشهادة المذكورة، ويستعار اسم المشبه به وهو لفظ الشهادة للمشبه، ويشتق منه شهد بمعنى دلَّ، أو على أنه مجاز مرسل تبعي من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم، لأن الشهادة يلزمها الدلالة فأطلقت وأريد منها لازمها وهو الدلالة، واشتق منها شهد بمعنى دلَّ، وإما في المسند إليه على إنه استعارة بالكناية بأن يشبه وجوب الافتقار بعاقل تتأتى منه الشهادة على طريق الاستعارة بالكناية، وشهد تخييل.
(قوله: بوجوب جوده) يصح أن تكونَ إضافة الوجوب للوجود حقيقة، والمراد بوجوب وجوده عدم قبول وجوده للانتفاء، ويلزم من الشهادة بوجوب الوجود الشهادةُ بالوجود، ويصح أن تكون الإضافة من إضافة الصفة للموصوف، أي بوجوده الواجب، أي الذي لا يقبل الانتفاء ويلزم من الشهادة بوجوده الواجب الشهادة