ووحدانيته وعظيم جلاله وجوب افتقار الكائنات كلها إليه في الأرض والسماء العزيز الذي عز في ملكه
[حاشية الدسوقي]
بالوجود، ويصح أن تكون الإضافة من اضافة الصفة للموصوف أي بوجوده الواجب أي الذي لا يقبل الانتفاء ويلزم من الشهادة بوجوده الواجب الشهادة بالوجوب.
واعلم أن التحقيق أن الوجود صفة اعتبارية لا حال كما قيل به، وليس نفس ذات الموجود، وأن قول الأشعري الوجود عين الموجود المراد منه: ان الوجود ليس صفة ثابتة في الخارج زائدة على الذات فلا ينافي أنه صفة اعتبارية، وبهذا ظهر أن إضافة وجود للضمير على معنى اللام أو أنه من إضافة الصفة للموصوف لا من إضافة الشيء لنفسه. (قوله: ووحدانيته) عطف على وجوب وجوده، وآثر الوحدانية بالذكر إشارة إلى أن دليلها عقلي كما هو التحقيق خلافا لمن قال إنه سمعي.
(قوله: وعظيم جلاله) يطلق الجلال على ما يقابل الجمال كقولهم هذه الصفةُ صفةُ جلال، وهذه الصفة صفة جمال، فيكون المراد بصفة الجلال الصفة الدالة على البطش والقهر مثلًا كجبار وقهار ومنتقم والمراد، بصفة الجمال الصفة الدالة على البسط كباسط ورحمن وغفور الخ، ويطلق الجلال على عظمة الله سبحانه وتعالى وهي اتصافه بصفة الكمال جلالية وجمالية لأنها من الصفات الجامعة وهو المراد هنا، وحينئذ فتكون الإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي وعظمته العظيمة وإنما وصفها بالعظم لأن العظمة مقولة بالتشكيك، وشهادة افتقار الكائنات بالعظمة من حيث شهادتها بالصفات المسميات بها فيكون مشيرا إلى أن دليل الصفات عقلي لكنه يخرج من الصفات السمع والبصر والكلام وكونه سميعا وبصيرا ومتكلما، فإن دليلها سمعي.
فإن قال يدخل في الشهادة بالعظمة الشهادة بالوحدانية فلم أفردها بالذكر قلت أفردها بالذكر للتصريح بأن دليلها عقلي ردًا على المخالف القائل بكفاية الدليل السمعي فيها.
(قوله: وجوب افتقار الخ) الافتقار الاحتياج وإضافة وجوب للافتقار إما حقيقية أو من إضافة الصفة للموصوف أي افتقارها الواجب.
واعلم أنه وقع خلاف في منشأ افتقار العالم الذي هو الكائنات إلى الصانع فقيل حدوثه أي وجوده بعد العدم، وقيل إمكانه أي استواء طرفي الوجود والعدم في حقه، وقيل حدوثه وإمكانه، وقيل حدوثه بشرط الإمكان، وقيل بالعكس.
(قوله: الكائنات) جمع كائنة وهي المتجدد بعد عدمٍ ذاتًا كان أو صفةً، كانت الصفة وجودية أو حالًا، لأن الحق أن القدرة تتعلق بالأحوال كما يأتي.
(قوله: كلها) تأكيد أتى به دفعا لما يتوهم من أن أل في الكائنات للجنس.
(قوله: في الأرض والسماء) صفة للكائنات أي الكائنات المستقرة في الأرض والسماء، والمراد جنس الأرض وجنس السماء المتحقق في أفراد، فإن قيل: إنه يخرج من ذلك نفس الأرض والسماء وكذا ما فوقهما وما تحتهما فالجواب أن المراد بالأرض جهة السفل وبالسماء جهة العلو وحينئذ فيدخل في الكائنات المستقرة في جهة السفل جميع ما حل فيها من الأرض وما تحتها وما فوقها ويدخل في الكائنات المستقرة في جهة العلو جميع ما حل فيها من السماء وما فيها وما فوقها وما تحتها مما هو في الجو.
(قوله: العزيز) هو عديم المثال الذي لا نظير له في عَزَّ الشيءُ إذا عدم مثاله ونظيره، وقيل: العزيز هو المرتفع عما لا يليق به، من عزَّ الشيء ارتفع عمالا بليق به، وعلى كلا القولين فالعزيز من أسماء التنزيه، وقيل القادر الذي لا معارض له، من عز إذا غلب ولا يكون غالبا إلا من هو كذلك، وعلى هذا فيكون معناه مركبا من وصفين أحدهما وجودي ولآخر سلبي ولا محظور فيه، فالواضع اعتبر مجموع الوصفين ووضع لهما لفظَ عزيرٍ كوضع لفظ انسان لمجموع الحيوان الناطق، وقيل إن العزيز معناه القوي الشديد من عز إذا قوى واشتد ومنه قوله تعالى فعززنا بثالث، وقيل العزيز هو الذي لا يرام ولا يطلب فيدرك.
(قوله: الذي عز) أي تنزه وارتفع (قوله: في مُلكه) بضم الميم السلطنة وهي التصرف بالأمر والنهي، وأما الملك بكسر الميم فهو الاستيلاء على شيء خاص، وقد يطلق الملك بالضم على العالم الظاهر كما يطلق الملكوت على العالم الخفي، وهو حال من ضمير عز أي عز عن حالة كونه كائنا في ملكه وفي تعبيره بفي إشارة إلى تمكنه من التصرف تمكنا تاما حتى كان